الخميس 18 شوال 1443 هـ || الموافق 19 ماي 2022 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 81

آية "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا..." ودلالتها على التثبت من خبر الثقة
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س589: من أهل العلم من حمل آية (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا...)(1) على أن التثبت يكون في خبر الفاسق وغيره، ومنهم من قال بأن التثبت يكون من خبر الفاسق فقط .. فهل المسألة خلافية؟ 
وهل في المسألة تفصيل للجمع بين القولين؟ وما الصحيح الراجح في مسألة التثبت من خبر الثقة؟

ج589: الأصل في التثبت العموم سواء كان الناقل ثقة أو فاسقاً للآية السابقة وقد نزلت في حق صحابي من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام وهو عقبة بن الوليد ولا تدل الآية على تفسيق أحد منهم رضوان الله عليهم لكون النبي عليه الصلاة والسلام شهد لهم بالعدالة وهذا من الأمور المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة.

وإنما فيها تقعيد التثبت من الأخبار المنقولة وقد جاء في تفسيرها ما أخرجه أحمد والحديث قوي بكثرة طرقه وشواهد:

يقول الحارث بن أبي ضرار الخزاعي: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته فيرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً لإبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله عز وجل ورسوله فدعا بسروات(2) قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه إذ استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم إلى من بعثتم؟
قالوا: إليك.
قال: ولِمَ؟
قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله.
قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة(3) ولا أتاني.
فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله.
قال: فنزلت الحجرات: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ - إلى هذا المكان - فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"(4)(5).

والصحابي وهو عقبة بن الوليد رضي الله عنه كان قد فهم أن الحارث عندما أقبل ومعه القوم أراد قتله ومنع الزكاة، وهذا خطأ من الحارث رضي الله عنه فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بناء على هذا الفهم وما قصد كذباً حاشاه فهو عدل.

ويكفيه شرفاً أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وحدث عنه ببعض الأحاديث الصحيحة المسندة إليه.

ولكن لا يعني هذا رد خبر الثقة فعقبة ثقة ولذا قبل منه النبي عليه الصلاة والسلام ما أخبر به.

قال البخاري في صحيحه: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق وذَكَرَ قوله تعالى: "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا"(6).

ثم قال رحمه الله: وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحداً بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة.

هذا هو الصحيح في هذه المسألة أما أنها خلافية فهذا الذي يظهر ولا يعني هذا أن أهل السنة مختلفون في خبر الواحد الثقة بل يقبلونه في الجملة.

لكن لا يعني أنه لا يصح في حقه الخطأ، فكل ثقة بشر يصيب ويخطئ لا خلاف بين المحدثين في ذلك.

ولكن لا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه إما أن يثبت خطأ الراوي أو اعترافه بأنه أخطأ فيه.

وإما بشهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راوية فوهم فيه فلان.

وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ هكذا تقرر في علم المصطلح من خلال النظر في جملة أقوال المحدثين.

فالراوي قد يخطأ لا محالة وقد ذكر الحافظ في اللسان عن أبي زرعة أنه قال: دخلت البصرة فصرت إلى سليمان الشاذكوني يوم الجمعة وهو يحدث فقال: حدثنا يزيد بن زريع عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر حديث: ما من رجل يموت له ثلاثة من الولد.

فقلت للمستملي: ليس هو من حديث عاصم إنما رواه محمد بن إبراهيم فقال له: فرجع إلى قولي(7).

ومما أذكره في هذا المقام ما جاء عن أبي بكر بن خلاد عن يحيى بن سعيد قال: كنت إذا أخطأت قال لي الثوري: أخطأت يا يحيى قال: فحدث يوما عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر بحديث: الشرب في آنية الذهب والفضة.

فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله هذا أهون عليك إنما ثنا عبيد الله عن نافع عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أم سلمة فقال لي صدقت(8).

فهؤلاء ثقات عدول ومع ذلك وقع الخطأ منهم ولو تتبع الرجل أمثلة ذلك لو وجد مئات الشواهد في هذا الباب.

فالأصل في نقل الثقة الثبوت ولا يعدل عنه إلى الخطأ إلا بقرينة؛ وبالله التوفيق.
ـــــــــــــ
([1]) سورة الحجرات، الآية (6).
([2]) المعروف في واحدِ "سَرَوَاتٍ": سَراةٌ، وسرَاةُ الطريق: ظهره ومُعظَمُه.
([3]) قطعًا وفصلًا.
([4]) سورة الحجرات، الآية [6 : 8].
([5]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند الكوفيين، حديث الحرث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه (4/279 رقم 18482)]] من حديث الحرث بن ضرار.
([6]) سورة الحجرات، الآية (6).
([7]) ابن حجر، لسان الميزان (4/147)، مصدر سابق.
([8]) ابن حجر، تهذيب التهذيب (11/191)، مصدر سابق.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام