مقالات متنوعة

كيف يحفظ القلب صفحات القرآن؟

حجم الخط تصغير/تكبير: الخط مفروض من الإدارة، تم تعطيل الاختيار

كيف يحفظ القلب صفحات القرآن؟

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

يجلس من يرغب في حفظ القرآن أمام المصحف، وتبدو العملية يسيرة: عين تقرأ، ولسان يتلو، وأذن تسمع، لكن خلف ذلك تعمل في الدماغ منظومة دقيقة تشترك فيها الرؤية والسمع والنطق والانتباه والفهم، لتكوين أثر ثابت في الذاكرة.

فالصفحة لا تخزن كصورة جامدة، وإنما تتكون حولها شبكة من الروابط، بحيث يرى الراغب في الحفظ الكلمات ومواقعها، ويسمع صوتها، وينطقها بلسانه، ويفهم معانيها، ثم يأتي التكرار ليقوي هذه المسارات.

ومع التعلم تتغير بعض الوصلات العصبية، في إطار ما يسمى اللدونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تعديل شبكاته استجابة للخبرة.

ثم الآيات لا تحفظ في الذهن كجزر منفصلة؛ فكل آية ترتبط بما قبلها وما بعدها، وقد تصبح كلمة في بدايتها مفتاحا لبقية الآية. ولهذا قد يبدأ الحافظ بكلمة واحدة، فتنساب بقية الآية، ثم تقوده نهايتها إلى التي بعدها.

ومع كثرة المراجعة تتسع الروابط لتشمل موضع الآية في الصفحة، وتسلسلها في السورة، وإيقاعها الصوتي، ومعناها، والآيات المشابهة لها.

ولهذا قد يتعثر الحافظ لحظات في آية يعرفها جيدا، ثم يستحضرها فجأة.

فوجود المعلومة في الذاكرة يختلف عن سهولة الوصول إليها في كل لحظة؛ والنسيان المؤقت لا يعني بالضرورة ضياع المحفوظ.

ثم هناك فرق بين أن تتعرف إلى الآية عندما تراها وأن تستحضرها من غير أن تراها.

المصحف المفتوح يساعد العين على التعرف والتصحيح، أما إغلاقه ومحاولة التلاوة فيدرب الدماغ على استرجاع المعلومة، وهو ما يعرف في علم التعلم بالاسترجاع النشط.

لذلك فالمراجعة المثمرة تجمع بين النظر في المصحف للاستدراك والتثبيت، والاستظهار من الذاكرة لاختبار رسوخ المحفوظ.

كما أن المراجعة على فترات متباعدة مهمة؛ لأن العودة إلى المعلومة بعد أن تبدأ في الضعف تدرب الذاكرة على استعادتها، لا على معرفتها عندما تكون أمام العين.

ثم حفظ القرآن لا ينتهي عند حدود علم الأعصاب.

العلم يستطيع أن يصف شيئا مما يحدث في الدماغ أثناء التعلم والاسترجاع، لكنه لا يختزل تجربة المؤمن مع كلام الله.

فالآية قد تحفظ في الذاكرة، ثم تفهم وتتدبر، فتنتقل من كونها نصا محفوظا إلى معنى حاضر في الحياة: آية تذكر الإنسان بالله، أو ترده عن خطأ، أو تمنحه سكينة في الشدة.

وهنا تتكامل رحلة القرآن:

العين تقرأ، والأذن تسمع، واللسان يتلو، والعقل يفهم، والذاكرة تحفظ، والقلب يتدبر، والجوارح تعمل.

ولهذا فإن إتقان القرآن ليس خاصا بكثرة التكرار، بل باجتماع الفهم والتكرار، والاسترجاع والمراجعة والتدبر.

وأجمل ما في هذه الرحلة أن الإنسان لا يريد أن يحفظ القرآن في صدره فحسب، بل يرجو أن يحفظ القرآن قلبه من الغفلة.

فالعلم يشرح لنا شيئا عن كيفية حفظ الذاكرة، أما الإيمان فيجيب عن السؤال الأعمق: لماذا نحفظ؟

نحفظه لأنه كلام الله، ونراجعه لأن صحبته لا تنتهي، ونتدبره حتى لا تبقى الآيات على اللسان وحده، بل تمتد آثارها إلى القلب والعمل.

حتى يكون القرآن همك.

والله من وراء القصد.

مقالات مشابهة من نفس السلسلة

سجّل طالب علم لمتابعة تقدمك وكتابة ملاحظاتك وطرح أسئلتك على الإدارة. تسجيل / دخول