مقالات متنوعة

عقيدة الحرس الثوري الإيراني: صناعة الأعداء باسم الأمن، وكل من يخالفه في الفكرة فهو عدو يستحق الفناء شخصا كان أو دولة

حجم الخط تصغير/تكبير: الخط مفروض من الإدارة، تم تعطيل الاختيار

عقيدة الحرس الثوري الإيراني: صناعة الأعداء باسم الأمن، وكل من يخالفه في الفكرة فهو عدو يستحق الفناء شخصا كان أو دولة

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 


تصريحات نقلت عن وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، ونشرتها وسائل إعلام منها صحيفة روداوو الإنجليزية، برز اعتراف مهم بخطأ النظرة الإيرانية إلى دول الجوار باعتبارها تهديدات أمنية، بدلًا من التعامل معها بوصفها فرصًا للتعاون والتجارة والازدهار.

وتكمن دلالة هذه التصريحات في أنها صدرت عن رجل خدم النظام الإيراني عقودًا، وعرف من الداخل طبيعة سياسته الخارجية، ثم أخذ ينتقد عقلية التهديد التي أهدرت فرص التعاون وأبقت المنطقة أسيرة المخاوف والعداء.

ويا للأسف! كم من المصالح ضاعت، وكم من الثروات استنزفت، وكم من شعوب المنطقة عانت بسبب سياسات كان يمكن أن تستبدل بالعداء تعاونًا، وبالتدخل في شؤون الآخرين بناءً وتنمية!

لقد قرر القرآن الكريم قاعدة عظيمة في التعامل مع الخصوم، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

فالأصل أن تكون علاقات الدول قائمة على العدل واحترام السيادة والمصالح المتبادلة، لا على تصدير الأزمات، وتأجيج الصراعات، وتحويل الجيران إلى خصوم بسبب أوهام الهيمنة والتوسع.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

فإذا كان هذا من هدي الإسلام في علاقة المسلم بأخيه، فكيف بمن يتسبب في تهديد أمن الشعوب واستقرارها؟

إن الاعتراف بالخطأ فضيلة، لكنه لا يمحو آثار السياسات الخاطئة، ولا يغني عن مراجعة حقيقية تترجم الأقوال إلى أفعال. وإذا كان ظريف قد أدرك خطورة عقلية التهديد بعد عقود من العمل في خدمة النظام، فإن السؤال الأهم: هل يتحول هذا الإدراك إلى تغيير حقيقي في سياسة إيران، أم يبقى نقدا بعد أن دفعت المنطقة أثمانًا باهظة؟

لقد آن الأوان لأن تدرك طهران أن أمنها لا يتحقق بتهديد جيرانها، وأن ازدهارها لا يكون على حساب استقرارهم، وأن المملكة العربية السعودية واليمن وسائر دول المنطقة يمكن أن تكون شركاء في التنمية والمصالح المتبادلة، متى احترمت إيران سيادة الدول وكفت عن التدخل في شؤونها.

فالأمم العاقلة تصنع مستقبلها بالتعاون، أما الأمم التي تستبد بها أوهام التهديد، فقد تصنع بيديها الأعداء الذين تخشاهم، ثم تكتشف متأخرة أن فرص البناء كانت أقرب إليها من حروب الاستنزاف.

حرر بتاريخ 3 جمادى الأولى لعام 1448هجرية

مقالات مشابهة من نفس السلسلة

سجّل طالب علم لمتابعة تقدمك وكتابة ملاحظاتك وطرح أسئلتك على الإدارة. تسجيل / دخول