الإثنين 14 شعبان 1447 هـ || الموافق 2 فبراير 2026 م


قائمة الأقسام   ||    سلسلة مدخل إلى السير إلى الله    ||    عدد المشاهدات: 282

الرفيق قبل الطريق: من هو شيخ التربية

ضمن سلسلة مدخل إلى السير إلى الله (6/10)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


حين يعزم القلب على السير إلى الله، يتلفت يسارا ويمينا، يتحسس الخطى، ويبحث عن يد تمسكه إذا تعثر، وصدر يأوي إليه إذا تعب، وعين تبصر له ما لا يبصره، فطريق الله طويل، ودروب النفس كثيرة، وفتن الدنيا لا ترحم قلبا غافلا ولا عقلا وحيدا.

ولذلك قالوا قديما: الرفيق قبل الطريق.
ومن هنا كان سؤال السائر: من يدلني؟ ومن يأخذ بيدي؟ ومن يعلمني كيف أزكي نفسي وأصلح قلبي وأعرف ربي؟

هذه اليد هي ما يسميه العلماء: شيخ التربية.

إنه ليس عالم فقه وحديث يقتصر على نقل الأحكام وبيانها، ولا مجرد واعظ يحرك المشاعر ثم يترك صاحبها يتخبط، بل هو الذي يدلك على الله، ويهذب قلبك، ويصلح نيتك، ويكشف لك مداخل النفس ومكايد الشيطان.

لماذا نحتاج شيخا مربيا؟

لأن السير إلى الله ليس علما مجردا ولا قراءة نظرية، بل هو مجاهدة ومحاسبة ومصابرة، وهو كما قال الله تعالى:
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).

والجهاد هنا جهاد القلب قبل السيف، ومجاهدة النفس قبل العدو، ولا يستطيع المرء أن يقود نفسه وحده دون دليل، كما لا يدخل المرء البحر بلا ربان.

وقد قال الله تعالى:
(يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
أي لا تسير وحدك، بل كن مع أهل الصدق، الذين سبقوك إلى الطريق، وعرفوا مداخله ومخارجه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
فمن صاحب رفيقا إلى الله ارتفع، ومن صاحب غافلا هلك.

من هو شيخ التربية؟

شيخ التربية ليس معصوما، ولا يلزم ان بكون صاحب كرامات.
هو عبد لله خطا طريق السير، فجاهد نفسه، وداوم على الطاعة، وصفت سريرته، وتعلم العلم الصحيح، حتى صار قلبه مرآة تعكس النور لمن حوله.

هو الذي يجمع بين العلم والعمل والإخلاص.
فالعلم دون عمل رياء، والعمل دون علم ضلال، والاثنان دون إخلاص هباء منثور.
وقد قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).
والخشية علم فوق العلم، وبصيرة فوق المعرفة.

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يشيرون إلى هذا المعنى حين قال ابن مسعود كما ثبت عند ابن ماجه وغيره: (كنا نتعلم الإيمان ثم نتعلم القرآن فازددنا به إيمانا.
فالقرآن بلا قلب حي لا ينفع).

لماذا لا يسير القلب وحده؟

لأن القلب يتقلب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

والنفس تميل، والشيطان يزين، والدنيا تلهي، والهوى يعمي.
ولا ينجو من هذا كله إلا من ربط قلبه بقلب صالح، حسن السيرة، عارف بالله، يسدده ويفتح له بصيرته.

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة).
والوسيلة هنا كل وسيلة صحيحة مشروعة تقرب إلى الله، ومن أعظم الوسائل أن تصحب من يدلك على الطريق ويذكرك بالله إذا نسيت.

أين أجد شيخ التربية؟

ليس بالضرورة شيخا مشهورا، ولا صاحب ملايين المتابعين على مواقع التواصل، ولا من يعلو صوته على المنابر.
بل قد يكون شيخك رجلا صالحا هادئا، يصلي بخشوع، ويبتسم برحمة، ويغض بصره عن الحرام، ويصدق في حديثه، ويعمل بما يعلم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن ابن ماجة، والحديث حسن بمجموع الطرق: (إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه).

فابحث عمن إذا جلست معه زاد قربك من الله، وإذا تحدثت إليه ذكرك بالآخرة، وإذا قلدته قربك من الصراط.

كيف تعرف الشيخ الصادق؟

علاماته ثلاث:

الأولى: يذكرك بالله إذا رأيته، فسمته قبل كلامه دعوة.

الثانية: يدلك على ربك لا على نفسه، فلا يجعل نفسه غاية.

الثالثة: يوافق قوله عمله، فلا تجد مسافة بين لسانه وسريرته، وليس معصوما من الخطأ فهو بشر.

وقد قال الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).
فالدعوة والعمل والإخلاص كلها صفات شيخ تربية.

لكن احذر: فليس كل من تكلم عن السلوك مربيا.

فكم من مدع للطريق وهو لم يخط فيه خطوة.

احذروا من يدعوك لبدعة أو ضلالة أو طريقة صوفية أو منهج طائفي أو حزبي يتصادم مع نصوص الكتاب والسنة وعقيدة السلف الصالح، فإنه ليس اهلا للتربية مهما بلغ علمه.

الرفيق يمنعك من السقوط

إن السائر إلى الله يتعرض للفتور، وربما للذنب، وربما لضعف الهمة.
وشيخ التربية ليس من يوبخك، ولا من يحكم عليك، بل هو من يأخذ بيدك قائلا:
قرب من الله لا يقطع بذنب، ولكن الذنب يزول بتوبة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).

فهو يشجعك على الرجوع، لا يقنطك من الرحمة.

الثمرة

إذا صحب المرء شيخا مربيا صادقا، بدأ القلب يصفو، والنية تستقيم، والعبادة تضيء، والدعاء يحلو، والقرآن يتحبب إلى النفس، والصلاة تصبح لقاء وعبادة لا عادة، والسجود يصبح وطن روحي لا واجبا ثقيلا.

وهنا يتحقق قول الله تعالى:
(ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

وتتحقق بشارة النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي الذي في صحيح البخاري:
(وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

فإذا أحب الله عبدا تولاه، وأعانه، وثبته، ورفعه، وألقى في قلبه من النور ما لا توصف معه الحياة بكلمة سوى: الطمأنينة.

والحاصل أن: السير إلى الله لا يكون بلا رفيق.
والرفيق شيخ مرب يدل على الله.
ومن سار وحده تاه.
ومن سار بغير ذي بصيرة انقطع.
ومن وجد رفيقا صادقا فليمسك به، فإن هذا من نعم الله الكبرى.

قال الله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).

فهذا هو الطريق، وهذه هي القافلة، ورأس زادها: الرفيق قبل الطريق.

فإن استطعت أن تجد شيخا يذكرك بالله فتمسك به، وإن لم تجده، فاستعن بسير الصالحين وكتبهم وأقوالهم، فإن أرواحهم حاضرة، وبركتهم جارية، وذكرهم حياة.

وابدأ الآن قبل أن يقال لك:
الطريق انتهى.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام