الخميس 20 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 7 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 6174

السلف وأئمة العلم والدين يدعون المسلمين إلى رابطة حسن الظن بإخوانهم

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (33)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عتبة قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة"

بمعنى نحمله على أحسن المحامل ونحسن الظن به في الظاهر حتى يتبين خلافه ولا نُصَدِّقُ فيه حتى نتبين وخصوصاً إذا كان المتكلم من أهل العلم والسنة وقد أجمل في كلامه ، فإن الواجب ابتداء حمل كلامه على أحسن محامله باعتبار أنه أراد المعنى المشروع فإن ذلك من حسن الظن، ثم لا مانع من الاستفصال منه، ونصحه إذا أخطأ بالعلم والحكمة والحلم مع الاعتراف بفضله وجلالة مقامه.

قال أبو قلابة([1]): "إذا بلغك عن أخيك شيء تجد عليه فيه فأطلب له العذر بجهدك ، فإن أعياك فقل لعل عنده أمراً لم يبلغه علمي" ([2]).

وجاء من قول ابن سيرين([3]) أنه قال: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذراً فإن لم تجد له عذراً فقل له عذر" ([4]).

قال السبكي ([5]): "إذا كان الرجلُ ثقةً مشهوداً له بالإيمان والاستقامة ، فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتابته على غير ما تُعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن به وبأمثاله" ([6]).

ومعنى ذلك "أنه يجب أن يُفسَّر كلام المتكلِّم بعضه ببعض ، ويُؤْخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلّم به، وتُعرف المعاني التي عُرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرْفُه وعادتُه في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يُستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استُعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه ، وتُرِك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحُمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضاً ، وترك حمله على ما يناسب سير كلامه ، كان ذلك تحريفًا لكلامه عن موضعه ، وتبديلاً لمقاصده، وكذباً عليه ، فهذا أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم" ([7])، "وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ ، كلمات مشتبهة مجملة ، فيحملونها على المعاني الفاسدة، كما فعلت النصارى فيما نُقِل لهم عن الأنبياء، فيَدَعون المحكم، ويتبعون المتشابه " ([8]).

فما سبق ونحوه يدعو أبناء الإسلام إلى حسن الظن في كل ما سمعوه أو قيل لهم عن إخوانهم المسلمين حتى يظهر خلافه سواء كان الكلام مجملاً أو مفصلاً ، والإعتذار لموتاهم فيما قالوه بما عرفوا به من الخير بأحسن المقالات وأزكاها ، وإذا اعتذر المتكلم في حال حياته عن مقالته فاقبل عذره فإن ذلك من حسن الظن ، وكما قيل:

إذا اعتذرَ الجانيْ محا العُذْرُ ذَنْبَهُ *** وكلُّ امـرئٍ لا يَقبلُ العذرَ مُذْنبُ

وقال آخر :
إذا ما امرؤٌ مِنْ ذنبهِ جاء تائبـاً *** إليـكْ فلم تَغْفِرْ لهُ فلكَ الذنـبُ

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
____________
([1]) عبد الله بن زيد بن عمرو ، ويقال عامر بن نابل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد أبو قلابة الجرمي البصري أحد الأعلام من رجال الكتب الستة ، روى عن ثابت الضحاك الأنصاري وسمرة بن جندب وأنس وغيرهم ، وعنه أيوب وخالد الحذاء وأبو رجاء سلمان مولى أبي قلابة وغيرهم، قال ابن معين : أرادوه على القضاء فهرب إلى الشام فمات بها سنة 6 10 أو 107هـ [تهذيب التهذيب لابن حجر (5/ 197)].
([2]) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 321).
([3]) محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرة البصري موطناً ، والأنصاري ولاءً ، الإمام الحافظ من رجال الكتب الستة ، ويُعَدُّ من جلة الفقهاء وسادة التابعين ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وتوفي بالبصرة سنة 110هـ ، روى عن أنس ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس وغيرهم ، وروى عنه الشعبي ، وثابت البناني وغيرهما.[الثقات لابن حبان (5/ 348)] ، وكذا [ تهذيب التهذيب لابن حجر (9/ 190 : 191)].
([4]) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 323).
([5]) عبد الوهاب بن علي الإمام العالم الفقيه المحدث النحوي الناظم ، تاج الدين أبو نصر ابن العلامة قاضي القضاة السبكي، ولد بالقاهرة سنة 728هـ، سمع من المقدسي وطبقته بمصر ومن بنت الكمال وابن تمام ومن المزي، وأفتى ودرَّس ونظم الشعر وعمل الألغاز، وعمل مصنفاً صغيراً في الطاعون وكتاباً في الأشباه والنظائر في مذهب الشافعي وشرح المنهاج في أصول الفقه للبيضاوي وغيرها من المصنفات، توفي سنة771هـ [الوافي في الوفيات للصفدي (ص2792)]، [كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لمصطفى بن عبدالله القسطنطيني الرومي (1/ 399)، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1413هـ - 1992م].
([6]) قاعدة في الجرح والتعديل للحافظ تاج الدين السبكي (ص93) تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ، مكتبة المطبوعات الإسلامية ببيروت ، 1388هـ-1968م.
([7]) الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح" لابن تيمية (4/ 44) ، تحقيق علي سيد صبح المدني ، مطبعة المدني, مصر.
([8]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (2/ 374).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام