ملازم حسين الحوثي على طاولة النقد(1)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الأولى: مقدمة عامة
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
ففي عمق اليمن الممزق بين حرب الأرض وحرب الفكر، تنسج الجماعات المتطرفة مشاريعها بعناية فائقة، حيث العقل البشري يصبح الساحة الأولى للسيطرة.
والوعي الجماعي هو الهدف النهائي.
ومن بين هذه المشاريع، يبرز المشروع الفكري لجماعة الحوثي، الذي يقوم على محاور متعددة، لكنه يجد نقطة الانطلاق الرئيسة في ملازم حسين الحوثي التي وصل عددها (خمسة وستين ملزمة)، تلك الصفحات التي تحولت من محاضرات ودروس مسجلة على أشرطة كاسيت إلى أوراق مكتوبة، وكل ملزمة مجموعة صفحات، لشخصية غير مؤهلة علميا ولا ادبيا، لكنها صارت اليوم أدوات دقيقة لتشكيل عقول، وبناء ولاءات، وصناعة أجيال وفق منظور طائفي ضيق محدد يغير هوية المجتمع اليمني وطريقة تفكيره.
هذه الملازم ليست مجرد ورقات تقرأ وتنسى، بل هي خريطة طريق مليئة بالهدم، تعيد رسم ملامح المجتمع اليمني على مقاس مشروع جماعة الحوثي، وتزرع الولاء المطلق للقائد على حساب الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وعلى حساب القيم الإسلامية المشتركة، والوطن الواحد.
هناك رسالة مزدوجة: رسالة للمتلقي تتعلق بالولاء والطاعة، ورسالة للمجتمع بأسره تعيد رسم منظومة قيم جديدة، تتماهى مع الطائفية، وتنسجم مع مشروع إقليمي أكبر مستلهم من التجربة الإيرانية في قم، مستهدفا إعادة هندسة المجتمع اليمني بأسره.
إن هذه السلسلة من الفصول تهدف إلى فتح طاولة النقد أمام هذه الملازم - الهزيلة علميا وأدبيا وفكريا -، بمزيج من النقد الشرعي والأدبي والفكري والاجتماعي والسياسي.
سنغوص بإيجاز في أعماق النصوص، لنكشف الأخطاء المنهجية، والتناقضات الفكرية، والانحرافات عن التراث الفقهي الزيدي الذي يدعي زورا نسبته إليه، وسنستعرض أثرها على المجتمع اليمني بكافة شرائحه، من الأطفال في الصفوف الأولى، إلى المعلمين، والموظفين، وصولا إلى القيادات في المؤسسات الحكومية.
لن يكون هذا النقد مجرد قراءة سطحية، بل تحقيقا مجملا، يقرأ بين السطور، ويكشف عن الطروحات المغلوطة، والتفسيرات الملتوية، والأحكام التي تهدف إلى تقييد حرية التفكير.
فمن خلال هذه الملازم، يتم تحويل التربية والتعليم إلى أداة لترويج الولاء الأعمى للقائد، وغرس الطائفية، وبناء جيل متماهي مع الفكر الحوثي منذ نعومة أظفاره.
ولننظر إلى الواقع: الطلاب يجبرون على ترديد الصرخة الطائفية بدلا من نشيد الدولة الذي تعودوه جيلا بعد جيل، والمعلمون يفرض عليهم حضور دورات ثقافية لإعادة برمجة وعيهم، والموظفون في المؤسسات العامة يصبحون رهائن لطقوس الولاء.
كل حضور أو غياب يقاس بمعايير الولاء والانتماء، وكل نص أو ممارسة تحمل رسالة مزدوجة: الولاء للقائد أولا، والانتماء للوطن ثانيا، إذا وجد أصلا لأن الحوثيين دمروه ومزقوه.
تروي المعلمة أم محمد تجربتها في العاصمة صنعاء وتقول كما نشرت عنها بعض الصحف: بدأنا العام بدورة ثقافية مدتها خمسة أيام، كانت مليئة بالكلمات الطائفية العنصرية، والحضور كان إجباريا تحت تهديد الفصل، وكل ما تعلمناه فيها كان لتعميق الولاء الأعمى للزعيم، وإلغاء أي شعور بالهوية الوطنية.
وتضيف المعلمة أم أحمد، التي واجهت هذه الدورات منذ أكثر من عشرة اعوام وتقول:
المحتوى كان مليئا بالأحكام التكفيرية، والحقد على الآخرين.
زرع فينا منذ اليوم الأول، وأجبرنا على ترديد الصرخة بدلا من النشيد الوطني، وكأن الهوية الوطنية لم تعد موجودة.
وهنا تكمن خطورة المشروع الحوثي: ليس فقط في فرض أفكار متطرفة على الأفراد، بل في إعادة صياغة المجتمع برمته، وتحويل المؤسسات التعليمية والدينية والسياسية إلى أدوات لتكريس الولاء الطائفي.
كل مدرسة، كل مركز، وكل دورة ثقافية، أصبحت بمثابة مصنع للعقول، يصنع الولاء المطلق للقائد، ويزرع الطائفية في نفوس الأطفال والشباب والبالغين على حد سواء.
على هذه الطاولة، ستفتح كل محتويات الملازم من حيث الفكرة، وستناقش كل فكرة، لنقرأ ونحلل وننتقد، على أمل أن يكون النقد وسيلة لفهم المستقبل، وإعادة صياغة الوعي الصحيح، وإتاحة الفرصة للشعب اليمني للتمييز بين الحقائق والقيم المغلوطة. فاليمن لم يولد ليكون مسرحا للأفكار المغلوطة، أو أداة لطموحات خارجية، بل وطن له هويته، وتاريخه، وقيمه التي يجب حمايتها وفهمها، قبل أن تتحول إلى مجرد صفحات على ورق يقرأ وينسى.
وفي خضم هذه الطاولة النقدية، تكمن الرسالة الكبرى لهذه السلسلة: أن المعرفة والوعي هما الدرع الحقيقي أمام كل مشروع يسعى لتفخيخ المجتمع وتغيير هويته، وأن الفهم الصحيح للنصوص والممارسات يمكن أن يكون طريقا لإعادة العقل إلى دوره الطبيعي، دور الرقيب والناقد والمدافع عن القيم السليمة.
والله من وراء القصد