الفاتحة: السورة التي لا تستقيم الحياة بدونها
[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (1)]
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
كل إنسان في هذه الحياة يبحث عن طريق يسلكه، فمن الناس من يجعل المال غايته، ومنهم من يطلب الشهرة، ومنهم من يلهث وراء المناصب، وكثير منهم يقضي عمره يتنقل بين الطرق، حتى ينتهي به المطاف إلى الحيرة أو الندم.
لكن المسلم يردد في كل يوم، مرات عديدة، دعاء واحدا يلخص أعظم أمنية يمكن أن يتمناها الإنسان، فيقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم).
هذه الكلمات ليست مجرد دعاء، بل هي مفتاح الحياة كلها.
سورة الفاتحة هي أول سورة في القرآن الكريم، وهي أول ما يقرع سمع القارئ عند افتتاح كتاب الله، وقد سميت أم القرآن لاشتمالها على مقاصد القرآن وأصول معانيه.
ولمكانتها العظيمة جعلها الله ركنا من أركان الصلاة، فلا تصح صلاة المسلم إلا بقراءتها، كما في الحديث المتفق عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وتدور السورة كلها حول أعظم قضية في حياة الإنسان، وهي الهداية.
فقد بدأت بتعريف العبد بربه، قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
فالعبد قبل أن يسأل ربه، ينبغي أن يعرفه بأسمائه وصفاته، فيعلم أنه رب العالمين، الرحيم بعباده، المالك ليوم الجزاء، فيمتلئ قلبه تعظيما، ومحبة، ورجاء، وخوفا.
ثم تنتقل السورة إلى أعظم إعلان في حياة المؤمن:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين).
فهذه الآية جمعت الدين كله، عبادة خالصة لله، واستعانة كاملة به، فلا يعبد المسلم إلا ربه، ولا يعتمد بقلبه إلا عليه.
ثم يأتي أعظم دعاء:
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم).
ولعل من أعجب ما في هذه الآية أن المسلم يكررها في كل صلاة، مع أنه مؤمن مهتد، وذلك لأن الهداية ليست مرحلة تنتهي، بل هي طريق يحتاج الإنسان إلى الثبات عليه حتى يلقى الله.
ثم تبين السورة أن الناس ثلاثة أصناف:
الأول: من أنعم الله عليهم بالعلم النافع والعمل الصالح.
الثاني: من عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه.
الثالث: من عبدوا الله على جهل وضلال.
وهكذا تعلمنا الفاتحة أن النجاة لا تكون بالعلم وحده، ولا بالإخلاص وحده، بل باجتماعهما معا.
وقد قال بعض العلماء: تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم.
وقالوا: حاجة العبد إلى الهداية فوق حاجته إلى الطعام والشراب.
ولو تأمل الناس واقعهم اليوم، لوجدوا أن أكثر مشكلاتهم ترجع إلى فقدان الهداية؛ فكم من إنسان أوتي مالا ولم يؤت هداية، فشقي بماله، وكم من صاحب منصب ضل عن الحق، فكانت منزلته وبالا عليه، وكم من شاب أضاع عمره لأنه سلك طريقا غير مستقيم.
إن الفاتحة تعلمنا أن النجاح الحقيقي ليس في كثرة المال، ولا في علو المنصب، وإنما في الثبات على الصراط المستقيم.
رسائل السورة إلى المسلم:
الأولى: احمد الله قبل أن تطلب منه.
الثانية: تعرف إلى ربك بأسمائه وصفاته.
الثالثة: أخلص العبادة لله وحده.
الرابعة: لا تعتمد إلا على الله.
الخامسة: أكثر من سؤال الهداية، فأنت محتاج إليها في كل لحظة.
السادسة: اجمع بين العلم الصحيح والعمل الصالح.
السابعة: احذر طريق أهل الانحراف، مهما زخرفوه لك.
سورة الفاتحة هي دستور المسلم اليومي، تعرفه بربه، وتعلمه كيف يعبده، وإلى من يلجأ، وماذا يسأل، وأي طريق يسلك، وتحذره من طرق الضلال. فمن عاش مع الفاتحة بقلبه قبل لسانه، وجد فيها مفتاح السعادة في الدنيا، وطريق النجاة في الآخرة.
ولذلك كانت الفاتحة أعظم سورة في كتاب الله، وكانت خير افتتاح لكلام رب العالمين، وخير زاد يبدأ به المؤمن رحلته مع القرآن.
تفسير مفردات سورة الفاتحة
الحمد: الثناء على الله بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم.
رب العالمين: خالق الخلق جميعًا، ومدبر شؤونهم، ومربيهم بنعمه.
الرحمن: واسع الرحمة الذي شملت رحمته جميع الخلق.
الرحيم: الذي يختص المؤمنين برحمته في الدنيا والآخرة.
مالك يوم الدين: المتصرف وحده في يوم الجزاء والحساب، لا يملك أحد معه حكمًا ولا شفاعة إلا بإذنه.
إياك نعبد: نخصك وحدك بالعبادة، فلا نصرف شيئًا منها لغيرك.
وإياك نستعين: نستمد منك وحدك العون والتوفيق في جميع أمورنا.
اهدنا: دلنا ووفقنا وثبتنا.
الصراط المستقيم: الطريق الواضح الموصل إلى رضا الله وجنته، وهو دين الإسلام الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أنعمت عليهم: الذين تفضل الله عليهم بالهداية والإيمان، من النبيين، والصديقين والشهداء والصالحين.
غير المغضوب عليهم: الذين استحقوا غضب الله، لكونهم عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه وخالفوه.
ولا الضالين: الذين انحرفوا عن الحق بسبب الجهل وسوء السبيل.