السبت 26 محرم 1448 هـ || الموافق 11 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 12

الأمن: أعظم نعمة بعد نعمة الإيمان

[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون)، الحلقة رقم2]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الإنسان قد يملك المال، والصحة، والمنصب، والجاه، ولكنه إذا فقد الأمن عاش في شقاء، لا يهنأ بطعام، ولا يستريح في نوم، ولا يطمئن على نفسه وأهله وماله. ولذلك كانت نعمة الأمن من أجل نعم الله على عباده، حتى قرنها سبحانه بالرزق في كتابه، وقدمها عليها في مواضع أخرى.

قال تعالى في دعاء إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ).

فتأمل كيف بدأ بالأمن قبل الرزق؛ لأن الرزق لا يُنتفع به مع الخوف، أما الأمن فهو الذي يحفظ الرزق ويصونه.

وقال سبحانه ممتنًا على قريش: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

جمع الله لهم بين نعمتين عظيمتين: نعمة الغذاء، ونعمة الأمن، فبالطعام تحفظ الحياة، وبالأمن تستقر الحياة.

وقال جل وعلا: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ).

فجعل أمن الحرم من أعظم وجوه الامتنان؛ لأن الناس من حوله يعيشون الخوف والاضطراب، بينما يعيش أهله في طمأنينة وسكينة.

ومن أبلغ ما ورد في السنة في بيان منزلة الأمن ما ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا). أخرجه الترمذي وغيره.

تأمل هذا الحديث العظيم؛ فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصول نعم الدنيا في ثلاث:

الأمن، والصحة، وقوت اليوم.

وجعل من اجتمعت له هذه النعم فكأنما ملك الدنيا كلها، مع أن كثيرًا من الناس لا يشعر بقيمتها إلا إذا فقد واحدة منها.

قال بعض العلماء: نعمتان مجهولتان: الصحة والأمان.

ومعنى ذلك أن الناس لا يعرفون قدرهما إلا عند زوالهما.

وكان العلماء ولا زالوا يدعون الله كثيرًا بالأمن؛ لأنهم يعلمون أنه مفتاح العبادة والعلم والعمل.

فلا يستطيع الإنسان أن يطلب العلم في الفوضى، ولا أن يعمر الأرض في الخوف، ولا أن يؤدي العبادات على وجهها إذا كان قلبه مضطربًا.

ولذلك قال الله تعالى عن أهل الجنة: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ).

فكما أن الأمن نعيم أهل الدنيا، فهو كذلك من نعيم أهل الآخرة، بل هو أكمل وأعظم.

ومن تأمل أحوال الناس اليوم وجد أن أكثر ما يبحثون عنه هو الأمن، فإذا اضطربت الأوطان ترك الناس بيوتهم وتجاراتهم وأموالهم، وهاجروا إلى بلاد يجدون فيها الأمن ولو قلت فيها الموارد.

وهذا المعنى تجلى بوضوح في بعض أحداث العصر الحديث؛ إذ أفضت الاضطرابات التي شهدتها بعض الدول العربية منذ عام 2011م، وما صاحبها من دعوات إلى إسقاط الأنظمة دون تقدير لعواقبها، إلى اختلال الأمن، وسفك الدماء، وتشريد الملايين، واضطرار أعداد كبيرة من الناس إلى مغادرة أوطانهم طلبًا للأمن والاستقرار، فكانت تلك الأحداث شاهدًا على أن زوال الأمن يجر وراءه ضياع كثير من مصالح الدين والدنيا.

وهذا دليل عملي على أن الأمن مقدم على المال، وأن الإنسان قد يصبر على قلة الرزق، لكنه لا يطيق دوام الخوف.

ولذا لزم الشكر على نعمة الأمن، ولا يكون باللسان وحده، بل يكون بطاعة الله، والمحافظة على وحدة المجتمع، واحترام الأنظمة التي تحقق المصلحة العامة، وعدم نشر الشائعات، والتعاون مع رجال الأمن، والدعاء لمن يقومون على حماية البلاد والعباد.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام