السنة النبوية تدعو المسلمين إلى رابطة حسن الظن بإخوانهم
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (32)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الأحاديث النبوية الصحيحة في حسن الظن أكثر من أن تحصى، وهذا دليل على أهمية هذه الرابطة العظمى.
ومن ذلك إحسان ظن النبي صلى الله عليه وسلم بزوجته عائشة وصحابته، لما قيل له فلان تكلم في عرض عائشة، " فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبي([1]) وهو على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل([2]) قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ([3]) ما علمت عليه إلا خيراً ، وما يدخل على أهلي إلا معي " ([4])، وجاء في حادثة الإفك أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار" أسامة بن زيد حين استلبث ([5])الوحي ... في فراق أهله ( يعني عائشة) فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة : أَهْلَكَ ولا نعلم إلا خيراً" ([6])، وقالت عائشة: " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش ([7])عن أمري؟ فقال لزينب: ماذا علمتِ أو رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً " ([8]).
وروي أن أبا أيوب الأنصاري ([9]) لما بلغه خبر الإفك، قال لزوجه : ألا ترين ما يُقال ؟ فقالت له: لو كنتَ بدل صفوان ([10])أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً ؟ قال: لا ، قالت: "ولو كنتُ أنا بدل عائشة ما خُنْتُ رسول الله فعائشة خير مني، وصفوان خير منك، قال: نعم"([11]).
ومن شواهد ذلك أيضاً ما جاء في الصحيحين : "أن عَلِي بْن أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّه عَنْه بعثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ اليمن بذهيبة ([12]) .. فقسمها بين أربعة نفر .. فقال رجل من أصحابه : كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءَ ، قال : فقام رجل غائرُ العينين ([13]) مُشْرِفُ ([14]) الوجنتين، ناشزُ الجبهة، كثُ اللحية محلوقُ الرأس ، مشمِّرُ الإزار([15])، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ، ثمَّ ولَّى الرجل ، قال خالد بن الوليد ([16]): يا رسول الله ألا أضرب عنقه، قال: لا لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم مِنْ مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"، ثم نظر إليه وهو مُقَفِّ ، فقال: إنه يخرج من ضِئْضِئ ([17]) هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ([18]).
مع أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن الرجل أنه من الخوارج حيث ذكر من أوصافهم فقال: "إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
ولكن مع ذلك كله أراد أن يبني جيلاً خالٍ من الظنون السيئة والأدران المختلفة فقال لخالد: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم " ، وقال له : "لعله أن يكون يصلي " بمعنى وإن قال ذلك فأحسن الظن به.
وجاء في مراسيل الحسن البصري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً إلى فَدَك، فأغاروا عليهم ، وكان مرداس الفدكي([19]) قد خرج من الليل، وقال لأصحابه: إني لاحق بمحمدٍ وأصحابه فبصر به رجل فحمل عليه ، فقا : إني مؤمن فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلا شققت عن قلبه "([20]).
وعن أسامة بن زيد قال : "بعثنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم في سرية فصبَّحنا الحرقات من جهينة فأدركتُ رجلاً ، فقال: لا إله إلا الله فطعنته ، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال " لا إله إلا الله وقتلته ؟
قال : قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح.
قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ " ([21]).
قال النووي ([22]): " فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر " ([23]).
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
____________
([1]) عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج وكانت سلول امرأة من خزاعة، وهو رأس المنافقين، كان يظهر الإيمان، ويبطن الكفر ، وقد تولى كبر حادثة الإفك حتى فضحه القرآن وأظهر براءة عائشة من ذلك، وكان يظاهر اليهود على رسول الله وصحابته، وفيه نزل قوله تعالى: " يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ " ، وقوله تعالى : " اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ "، وقوله تعالى: " وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ، وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ "، فمات كافراً عليه لعنة الله بشهادة القرآن الكريم [ ترجم له الحافظ في الإصابة في تمييز الصحابة عند ترجمة ولده الصحابيالجليل عبد الله بن عبد الله (4/ 155)].
([2]) يعني عبد الله بن أبي بن سلول.
([3]) يعني : صفون بن المعطل السلمي الذي اتهمه ابن سلول بالفاحشة ظلماً وعدواناً وهو منها بريئ.
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الشهادات ، باب تعديل النساء بعضهن بعضاً (2/ 942 رقم 2518) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب التوبة ، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (4/ 2129 رقم 2770)] كلاهما من حديث عائشة.
([5]) أي أبطأ.
([6]) هو الحديث المتقدم.
([7]) زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخت عبد الله بن جحش ، وهي أسدية من أسد بني خزيمة وأمها بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت قديمة الإسلام ومن المهاجرات ، وكانت قد تزوجها زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها ليعلمها كتاب الله وسنة رسوله ، ثم إن الله تعالى زوجها النبي صلى الله عليه وسلم من السماء وأنزل الله تعالى : " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ، وتخشى الناس ، والله أحق أن تخشاه ، فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها " وكانت زينب كثيرة الخير والصدقة ، ولما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمها برة فسماها زينب ، ماتت في زمن عمر وصلى عليها عمر ، قيل : هي أول امرأة صُنع لها النعش ، ودفنت بالبقيع [أسد الغابة لابن الأثير (7/ 138)].
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه[كتاب المغازي، باب حديث الإفك(4/ 1517رقم3910)]عن عائشة.
([9]) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري أبو أيوب ، معروف باسمه وكنيته ، من كبار الصحابة ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أُبي بن كعب وجماعة ، روى عنه البراء بن عازب وزيد بن خالد والمقدام بن معد يكرب وغيرهم ، شهد العقبة وبدراً وما بعدها ونزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده ، وآخى بينه وبين مصعب بن عمير وشهد الفتوح وداوم الغزو ، وكان مسكنه المدينة وحضر مع علي حرب الخوارج ، مات ببلاد الروم غازياً في خلافة معاوية سنة52هـ [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (2/ 234)].
([10]) صفوان بن المعطل بن ربيعة السلمي ثم الذكواني يكنى أبا عمرو ، يقال : إنه أسلم قبل المريسيع وشهد المريسيع وما بعدها، وقُتِل رضي الله عنه في غزوة أرمينية شهيداً وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص في خلافة عمر، وقيل: إنه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط، ودفن هناك والله أعلم، وكان خَيِّراً فاضلاً شجاعاً بطلاً ، وهو الذي قال فيه أهل الإفك : ما قالوا مع عائشة، فبرأهما الله مما قالوا [الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (2/ 725)].
([11]) الكشاف للزمخشري (3/ 222) تحقيق: عبد الرزاق المهدي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، ولم أجد للأثر أصلاً يُعتمد عليه.
([12]) تصغير ذهبة.
([13]) عيناه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بقعر الحدقة.
([14]) بارز.
([15]) إزاره مرفوع عن كعبه [هذا المعنى وما قبله من المعاني الثلاثة يُنظر لها في فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (8/ 68)].
([16]) خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي أبو سليمان ، وقيل أبو الوليد ، سيف الله المسلول، وكان خالد على خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وخيبر ، وكانت هجرته مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رمتكم مكة بأفلاذ كبدها " . ولم يزل من حين أسلم يولِّيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أَعِنَّة الخيل فيكون في مقدمتها في محاربة العرب ، وشهد فتح مكة فأبلى فيها ، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العزى وكان بيتاً عظيماً لقريش وكنانة ومضر تبجله فهدمها ، كما شهد المشاهد بعد أحد حتى توفي بحمص ، وقيل بل توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين ، والأول أصح [الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (2/ 427 وما بعدها)]. ، وفي رواية أن القائل: عمر بن الخطاب كما في رواية البخاري [(3/ 1321 رقم 3414)] وفيها قال أبو سعيد الخدري : " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة ، وهو رجل من بني تميم ، فقال يا رسول الله اعدل ، فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدلْ قد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل ، فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه.. وذكر بقية الحديث] ، قال الحافظ في الفتح (6/ 618): " في هذه الرواية فقال عمر ائذن لي أضرب عنقه" لا ينافي قوله في تلك الرواية فقال خالد لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك "أهـ.
([17]) بضادين معجمتين مكسورتين بينهما تحتانية مهموزة ساكنة وفي آخره تحتانية مهموزة ..[ بمعنى النسل والعقب].
([18]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى " تعرج الملائكة والروح إليه " إلى آخره(6/ 2702 رقم 6995) ، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (2/ 741 رقم 1064)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري، وقوله "كما يمرق السهم من الرمية "أي يخرجون خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى ولم يتعلق به شيء منه، والرمية هي الصيد المرمي [ كذا في شرح مسلم للسيوطي (3/ 153)] وهو كناية عن بُعْدِهم عن الدين ومروقهم منه بتضليل الأمة وتكفيرها ، والله أعلم.
([19]) مرداس بن عمرو الفدكي ، وقال الكلبي : مرداس بن نهيك ، قال أبو عمر : إنه فزاري نزل فيه : " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً " [أسد الغابة لابن الأثير (5/ 148)] ، وكذا [ فتح الباري شرح صحيح البخاري (12/ 195)] ، وهو الرجل المذكور في رواية أسامة التالية على قول بعض أهل العلم.
([20]) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر(12/ 195)].
([21]) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله (1/ 96 رقم 96)].
([22]) يحيى بن شرف بن حسن محيي الدين أبو زكريا النووي الدمشقي ، ولد بنوى ، من قرى حوران سنة 631هـ ، وقد حفظ القرآن ولزم المشايخ تصحيحاً وشرحاً ، فكان يقرأ في كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئاً كثيراً منهاشرح مسلم ، والروضة ، والمنهاج ، والرياض ، والأذكار وغير ذلك ، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم، توفي ليلة أربع وعشرين من رجب سنة 676هـ بنوى ودفن هناك [ البداية والنهاية لابن كثير (13/ 278)].
([23]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (2/ 107).