الخميس 14 جمادى الآخرة 1442 هـ || الموافق 28 يناير 2021 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 601

حال السلف الصالح وعلماء الأمة المصلحين ومواقفهم الأخلاقية القولية
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (48)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


لقد كان سلفنا الصالح وعلماء الأمة المصلحون "يدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسِن الأعمال" ([1]) من خلال توجيهاتهم ونصائحهم لإخوانهم المسلمين، وكان من تمام أخلاقهم أنهم يتواصَون بصلةِ الأرحام، وإفشاءِ السلام، وإطعام الطّعام، والرحمةِ للفقراء، والمساكين، والأيتام والاهتمامِ بأمور المسلمين، والتعفُّف في المأكلِ والمشرَب ، والملبس ، والمصرَف والسعيِ في الخيرات ، والأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر، والبدار إلى فضل الخيرات أجمَع، واتّقاء شرّ الطمع، ويتواصَون بالحقّ ويتواصَون بالصبر " ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها ([2])، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره، فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم ([3]).
ومن هنا كانت عنايتهم رضي الله عنهم بالأخلاق الحميدة حتى قال ابن سيرين: "كانوا يرون حسن الخلق عوناً على الدين "([4]).
ولمعرفة بعض أقوالهم وأقوال من تبعهم بإحسانٍ في هذا المضمار، هذه جملةٌ من الآثار المباركة :
جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "خِلال المكارم عشر: تكون في الرجل ولا تكون في ولــده، وتكون في العبد ولا تكون في سيده ، يجعلها إليه حيث شاء: صِــدْقُ الحديث، وصــدق الناس، والمكافــأة بالصنائع ([5])، وحفظ الأمانــة، وصلة الرحم، والتذمم ([6]) للجار، والتذمم للصاحب، وإعطاء السائل، وإقراء الضيف، ورأسهن الحيــاء" ([7]).
وقال عمر رضي الله عنه: "حَسَبُ ([8])الرجل دينُه، ومروءته خُلُقُه ، وأصله عقله"([9])، وخطب رضي الله عنه الناس فقال: "ما استفاد عبدٌ بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق، ودود ولود، وما استفاد عبد بعد كفر بالله فاتنةً شراً من امرأة حديدة اللسان ([10])، سيئة الخلق " ([11]).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "التوفيق خير قائد، وحسن الخلق قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العُجْب" ([12]).
وسئل ابن عباس ما الكرم ؟ فقال: هو ما بيَّن الله في كتابه العزيز "إن أكرمكم عند الله أتقاكم " قيل فما الحسب ؟ قال: أحسنكم خُلُقاً أفضلكم حسباً، وقال: "لكل بُنيانٍ أساس ، وأساس الإسلام حسن الخلق "([13]).
وعن أم الدرداء ([14]) قالت: "بات أبو الدرداء ليلةً يصلي ، فجعل يبكي وهو يقول "اللهم أحسنْتَ خَلْقي فَحَسِّن خُلُقي حتى أصبح فقلت: يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حُسْن الخُلُق، فقال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن الخلق الجنة ، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار"([15]).
وقال سعيد بن العاص ([16]): "يا بَنِيْ إن المكارم لو كانت سهلةً يسيرة لسابقكم إليها اللئام، ولكنها كريمة مُرَّة، لا يصبر عليها إلا من عَرَفَ فضلها رجاء ثوابها" ([17]).
وقال عطاء : " ما ارتفع مَنْ ارتفع إلا بالخُلُق الحسن ، ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فأقرب الخلق إلى الله عز وجل السالكون آثارَه بحسن الخلق " ([18]).
وكان جعدة بن هبيرة ([19]): "إذا زوَّج شيئاً من بناته خلا بها فينهاها عن سيء الأخلاق ، ويأمرها بأحسنها " ([20]).
وقال الفضيل بن عياض: "لأن يصحبني فاجر حَسَنُ الخلق أحب إليَّ من أن يصحبني عابدٌ سيئ الخلق " ([21]).
ولما سئل عن سبب ذلك؟
قال " لأن الفاجر الحَسَنَ الخلق يصلحني بحسن خلقه، ولا يضرني فجوره، والعابد السيء الخلق يفسدني في سوء خلقي ولا ينفعني بعبادته، لأن العبادة له وسوء خلقه عليّ، وفجور الفاجر عليه، وحسن خلقه لي " ([22]).
وعن حكيم بن جابر ([23]) قال قال رجل لرجل أوصني: قال: "أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس خُلُقاً حسناً " ([24]).
وعن معن ([25]) قال كان عبد الله ([26]): "مما يدعو يقول: اللهم أعني على أهاويل([27]) الدنيا ، وبوائق ([28]) الدهر، ومصائب الليالي، والأيام، واكفني شر ما يعمل الظالمون في الأرض، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في حضري، وإليك فحببني، وفي أعين الناس فعظمني ، وفي نفسك فاذكرني ، وفي نفسي لك فذللني، ومن شر الأخلاق فجنبني يا رحمن، إلى من تكلني، أنت ربي، إلى بعيد يتجهمني ([29])، أم إلى قريب ملكته أمري" ([30]).
وعن جعفر بن بَرْقان ([31]) قال بلغني : أن ابن منبه كان يقول: "أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا ، وأوشكها ردئاً اتباع الهوى، ومِنِ اتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة في الدنيا حب المال والشرف، ومن حب المال والشرف استحلال المحارم، ومن استحلال المحارم يغضب الله، وغضب الله الداء الذي لا دواء له إلا رضوان الله ، ورضوان الله دواء لا يضر معه داء ، ومن يُرٍدْ أن يُرضي ربه يُسْخِطْ نفسه، ومن لا يسخط نفسه لا يُرضي ربه، إنْ كان كلما ثَقُل على الإنسان شيء من دينه تَرَكَه أوشك أن لا يبقى معه شيء " ([32]).
وقال رجل لأحنف بن قيس : دلني على مروءة بلا مؤونة ([33])، قال: "عليك بالخلق الفسيح، والكف عن القبيح، وأعلم أن الداء الذي أعيا الأطباء اللسان البذيء، والفعل الرديء " ([34]).
وقال آخر للأحنف بن قيس : " يا أبا بحر دلني على أحمد أمرٍ عاقبةً ؟ فقال له: خالق الناس بخلق حسن، وكف عن القبيح، ثم قال له: "ألا أدلك على أدوى الدواء ؟ قال: بلى، قال: اكتساب الذم بلا منفعة، واللسان البذيء، والخلق الرديء" ([35]).
وقال يحيى بن معاذ ([36]): " في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق " ([37]).
وقال أيضاً: "سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات ، وحسن الخلق حسنةٌ لا تضر معها كثرة السيئات" ([38]).
وودَّع بعضهم أخاً له عند سفره فقال له : عظني ، فقال : 
وما المرءُ إلا حيثُ يجعلُ نفسَهُ .... ففي صالحِ الأخلاقِ نفسَكَ فاجعلِ ([39])
ويُروى أنَّ ابن لقمان الحكيم قال لأبيه : " يا أبتِ أيُّ الخصال من الإنسان خير؟ قال: الدين، قال: فإذا كانت اثنتين، قال: الدين والمال، قال: فإذا كانت ثلاثاً، قال: الدين والمال والحياء، قال: فإذا كانت أربعاً، قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق، قال: فإذا كانت خمساً، قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء، قال: فإذا كانت ستاً، قال: يا بُني إذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقي تقى ولله ولي، ومن الشيطان بري "([40]).
وصحب ابن المبارك رجلاً سيئ الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما فارقه بكى، فقيل له في ذلك ؟ فقال : بكيته رحمةً له فارقتْه وخلقه معه لم يفارقه" ([41])، وقال الجنيد ([42]): " أربعٌ ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قلَّ عمله وعلمه : الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الإيمان " ([43]).
ونحوها من الآثار الكثيرة التي تدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأمور.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
___________
([1]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/ 158).
([2]) السَّفْسَافُ : الرديء من كل شيء والأمر الحقير ،وفي الحديث " إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها " [مختار الصحاح للرازي (ص326) ، مصدر سابق] ، والحديث حسن لغيره جاء عن الحسين بن علي،أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [ (3/ 131 رقم 2894،وفي إسناده: خالد بن إلياس ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وبقية رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد للهيثمي(8/ 344)، لكن له شاهدان يحسن بهما: الأول من حديث سهل في المعجم الأوسط (3/ 210 رقم2940، والثاني عن جابر بنحوه في الأوسط أيضاً (7/ 78 رقم 6906)].
([3]) العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص32)، تحقيق محمد ابن عبد العزيز بن مانع ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث والإفتاء ، الرياض الطبعة الثانية، 1412هـ.
([4]) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (2/ 274).
([5]) بمعنى المجازاه على المعروف.
([6]) هو أن يَحْفظ ذمَامَه[يعني حرمته]ويَطْرح عن نَفْسه[النهاية لابن الأثير (2/ 169)].
([7]) الزهد لهناد(2/ 508)، تحقيق الفريوائي، ،دار الخلفاء بالكويت، الطبعة الأولى،1406هـ.
([8]) الحَسَبُ : ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ، وقيل : حسبه دينه ، وقيل ماله ، و[ يقال ] الرجل حَسِيبٌ [انظر مختار الصحاح للرازي (ص167)].
([9]) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (5/ 212).
([10]) وهي التي تخاطب زوجها بشدة وقسوة مأخوذ من قوله تعالى : " سَلَقُوكم بأَلْسِنَةٍ حِدادٍ " [سورة الأحزاب ، الآية رقم (19)].
([11]) السنن الكبرى للبيهقي (7/ 82).
([12]) شعب الإيمان للبيهقي (4/ 161).
([13]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 53).
([14]) أم الدرداء زوجة أبي الدرداء ،وهي أم الدرداء الكبرى ، وكانت من فضلاء النساء وعقلائهن ، وذوات الرأي منهن مع العبادة والنسك ، توفيت قبل أبي الدرداء بسنتين ، وكانت وفاتها بالشام في خلافة عثمان ، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وزوجها أبي الدرداء ، روى عنها صفوان بن عبد الله بن صفوان، وميمون بن مهران ،وأم الدرداء الصغرى ، وهي أيضاً زوج أبي الدرداء ، وليس لها صحبة ، قيل إن معاوية خطبها بعد أبي الدرداء فأبت[الإستيعاب لابن عبد البر(4/ 19234)].
([15]) الأدب المفرد للبخاري (ص108).
([16]) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي أبو عثمان،ولم يكن للعاص ولد غير سعيد المذكور ، قال أبو حاتم : له صحبة ، قلت [ القائل ابن حجر ] كان له يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين وقتل أبوه يوم بدر قتله علي ، وكان من فصحاء قريش ، وولي الكوفة وغزا طبرستان ففتحها، وغزا جرجان وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة ، وولي المدينة لمعاوية ، مات في قصره بالعقيق سنة 53هـ[ الإصابة لابن حجر (3/ 107ـ108) ، مصدر سابق].
([17]) شعب الإيمان (6/ 365).
([18]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 53).
([19]) جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي المخزومي ، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل عنه ، وولي خراسان لعلي ، مات جعدة في خلافة معاوية ، وقد اختلف في صحبته، والراجح أنه صحابي صغير له رؤية ، وهو الأشجعي على الصحيح ، وليسا اثنين ، وقد فرق بينهما ابن عبد البر في الإستيعاب [ الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (1/ 527) ، مصدر سابق].
([20]) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (3/ 559).
([21]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 49).
([22]) المصدر السابق (3/ 52).
([23]) حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي ، أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن أبيه وعمر وعثمان وغيرهم ، وعنه إسماعيل بن أبي خالد وبيان وطارق بن عبد الرحمن ، وهو ثقة ، مات في آخر أمارة الحجاج ، سنة 82هـ ،وقيل 95ـ[تهذيب التهذيب لابن حجر (2/ 382)].
([24]) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (5/ 211).
([25]) معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي أبو يحيى المدني ، أحد أئمة الحديث ، روى عن إبراهيم بن طهمان وغيره، روى عنه إبراهيم المنذر الحرمي وغير، مات بالمدينة في شوال سنة198هـ،وكان ثقة كثير الحديث ثبتاً مأموناً[تهذيب التهذيب لابن حجر(10/ 226)].
([26]) عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله ، ويقال أبو عبيد الله ، ويقال أبو عبد الرحمن المدني ، ويقال الكوفي ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وروى عنه وعن عمه عبد الله بن مسعود وعمر وغيرهما ، وعنه أبناه عبيد الله وعون وغيرهما ، كان ثقة رفيعاً كثير الحديث ، يؤم الناس بالكوفة ، مات في ولاية بشر بن مروان سنة74هـ[تهذيب التهذيب لابن حجر (5/ 272)].
([27]) أي محنها وشدائدها .
([28]) غوائله وشره.
([29]) أَي يلقاني بالغِلْظة والوجه الكريه [ انظر لسان العرب لابن منظور (12/ 110)].
([30]) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (6/ 68) .
([31]) جعفر بن برقان ، مفتي الجزيرة ، ومحدثها الإمام أبو عبد الله الكلابي مولاهم الرقي ، حدَّث عن يزيد بن الأصم وميمون بن مهران وعطاء بن أبي رباح وغيرهم ، عنه السفيانان ومعمر وزهير بن معاوية وغيرهم ، مات 154هـ [تذكرة الحفاظ للذهبي (1/ 171)].
([32]) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (7/ 184).
([33]) كلفة.
([34]) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 246).
([35]) المصدر السابق (6/ 247).
([36]) تقدمت ترجمته في مقال سابق.
([37]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 52).
([38]) المصدر السابق (4/ 52).
([39]) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 357 رقم 8506).
([40]) إحياء علوم الدين للغزالي أبي حامد (3/ 52).
([41]) المصدر السابق (3/ 52).
([42]) الجنيد بن محمد بن الجنيد أبو القاسم الخزاز، ويقال القواريرى كان أبوه قواريرياً ، وكان خزازاً ، وأصله من نهاوند إلا أن مولده ومنشأه ببغداد، سمع الحسن بن عرفة وتفقه على أبى ثور، وكان يفتى بحضرته وهو ابن عشرين سنة ، وصحب جماعة من أهل الخير واشتهر بصحبة الحارث المحاسبى وسرى السقطى ، ولازم التعبد حتى مات سنة ثمان وتسعين للهجرة [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي (13/ 118)، دار صادر ، بيروت ، الطبعة الأولى 1358هـ.].
([43]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 52).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام