الأمن مقصد عظيم من مقاصد الشريعة
[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، الحلقة رقم (4)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، ودفع المفاسد عنهم، ولهذا قرر العلماء أن للشريعة مقاصد عظيمة تدور عليها أحكامها، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
وإذا تأملنا هذه المقاصد وجدنا أن الأمن هو الإطار الذي يحفظها جميعًا، فلا يتحقق واحد منها على وجهه إذا غاب الأمن.
فحفظ الدين لا يكون في أجواء الفوضى والخوف؛ إذ كيف يعبد الناس ربهم، وتقام الجمع والجماعات، وتُطلب العلوم الشرعية، إذا كانت الدماء مهدرة والسبل مقطوعة؟
ولهذا امتن الله على أهل الحرم بالأمن، وجعلهم يعبدونه في طمأنينة، فقال سبحانه: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).
وحفظ النفس هو من أعظم مقاصد الإسلام، ولذلك شددت الشريعة في تحريم الاعتداء على الأنفس، فقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
وقال سبحانه: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).
فحماية الأرواح هي أساس الأمن، وبدونها لا تستقيم حياة.
وأما حفظ المال، فقد جاءت الشريعة بتحريم السرقة، والغصب، والنهب، والخيانة، والربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وكل ذلك ليأمن الناس على أموالهم، ويطمئنوا إلى ثمار كسبهم. فالمال لا قيمة له إذا لم يأمن صاحبه عليه.
وحفظ العقل كان بتحريم كل ما يفسده من المسكرات والمخدرات، لأن العقل السليم أساس الأمن الفكري والاجتماعي، فإذا فسد العقل كثرت الجرائم، واضطربت المجتمعات.
وأما حفظ العرض والكرامة، فقد شرعت الشريعة الحدود والعقوبات التي تصون الأعراض، وتحفظ الأسر، وتغلق أبواب الفاحشة والاعتداء، لأن المجتمع الذي تُنتهك فيه الأعراض لا يعرف الأمن الحقيقي.
ومن هنا قال العلماء: إن مصالح الدين والدنيا قائمة على حفظ هذه الضروريات الخمس. وإذا اختلت اختل نظام الحياة.
وقالوا: الأمن العام هو الذي تسكن إليه النفوس، وتنتشر به المعايش، ويطمئن معه الضعيف قبل القوي.
ولهذا لم تكن العقوبات في الإسلام غايةً في ذاتها، وإنما هي وسائل لحماية المجتمع، وصيانة أمنه، وردع المعتدين، حتى يعيش الناس في طمأنينة، لا يخافون على دينهم ولا على أنفسهم ولا على أموالهم.
ومن هنا نفهم أن الشريعة ليست شريعة حدود فحسب، بل هي شريعة أمن ورحمة وعدل، تبني الإنسان قبل أن تعاقبه، وتمنع الجريمة قبل وقوعها، وتغرس الإيمان في القلب، ثم تحمي المجتمع بالعدل والأنظمة الرادعة.
وفي واقعنا المعاصر، فإن المجتمعات التي تحترم التعليمات، وتصون الحقوق، وتؤدي الواجبات، وتتعاون مع ولاة أمورها ورجال أمنها في الخير، تكون أقرب إلى تحقيق هذه المقاصد العظيمة.
إن المحافظة على الأمن ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية الجميع؛ تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم المسجد، ثم وسائل الإعلام، ثم كل فرد في المجتمع، لأن الإخلال بالأمن يهدد مصالح الأمة كلها.
نسأل الله أن يديم على بلاد المسلمين نعمة الأمن والإيمان، وأن يحفظ أوطانهم من الفتن، وأن يوفق الجميع للقيام بحق هذه النعمة، إنه سميع مجيب.