كيف يبشر الله المؤمنين؟ ولماذا يضرب الأمثال في القرآن؟
[ضمن سلسلة التفسير الإيماني للقرآن الكريم، الحلقة رقم (7)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون، إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون، كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).
بعد أن ختم الله الآيات السابقة بالتحذير من النار المعدة للكافرين، فتح في هذه الآيات باب الرجاء لأهل الإيمان، ليعلم الناس أن القرآن يجمع بين الخوف والرجاء، وبين الترهيب والترغيب، فلا يقنط المؤمن من رحمة الله، ولا يأمن العاصي مكر الله.
ثم بين سبحانه أن من أعرض عن الحق فإن سبب ضلاله ليس نقص الأدلة، وإنما فساد القلب، وختم الآيات بتذكير الإنسان بأوضح البراهين على وحدانية الله وقدرته، وهي خلقه، وإحياؤه وإماتته وبعثه.
تبدأ الآيات بقوله تعالى:
(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار).
إنها أول بشارة عظيمة في القرآن لأهل الإيمان، فلم يجعل الله الجنة ثمنا للإيمان المجرد عن العمل، ولا للعمل المجرد عن الإيمان، وإنما قرن بين الإيمان الصادق والعمل الصالح، لأن الإيمان يثمر الطاعة، والطاعة دليل صدق الإيمان. والجنة ليست دارا فيها نعيم محدود، بل هي دار لا يعرف حقيقتها إلا الله، تجري الأنهار بين قصورها وأشجارها، فلا ينقطع نعيمها، ولا يزول سرورها.
ثم قال سبحانه:
(كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها).
أي كلما قدم لهم رزق جديد ظنوا أنه يشبه ما سبق، فإذا ذاقوه وجدوه أطيب وألذ، فثمار الجنة تتشابه في المنظر، لكنها تختلف في الطعم واللذة والكمال، ليبقى أهلها في نعيم متجدد لا يعرف الملل، فليس في الجنة تكرار يبعث على السآمة، بل كل نعيم فيها يزداد جمالا وكمالا.
ثم قال تعالى:
(ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون).
فهي مطهرة من كل نقص في الخلق والخلق، ومطهرة من كل ما ينغص الحياة في الدنيا، ثم ختم أعظم نعيم بقوله: (وهم فيها خالدون)، لأن النعيم مهما عظم إذا كان إلى انقطاع لم يكمل، وإنما تمام السعادة أن يعلم أهل الجنة أنهم لن يخرجوا منها أبدا.
ثم انتقلت الآيات إلى قضية عظيمة تتعلق بالقرآن، فقال سبحانه:
(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها).
لما اعترض الكفار على الأمثال التي يضربها القرآن، بين الله أن الحكمة لا تتعلق بكبر المخلوق أو صغره، وإنما بما يحمله من الدلالة على الحق. فالذي خلق السماوات هو الذي خلق البعوضة، وكل مخلوق آية من آيات قدرته، فلا يمنع جلال الله أن يجعل أصغر خلقه مثلا إذا كان في ذلك هداية لعباده.
ثم قال تعالى:
(فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا).
وهنا يظهر الفرق بين القلب المؤمن والقلب المريض؛ فالمؤمن يبحث عن الهداية في كل آية، والكافر يبحث عن الاعتراض في كل آية. فالمشكلة ليست في المثل، وإنما في القلب الذي يتلقاه؛ فمن أقبل على القرآن بقلب سليم ازداد إيمانا، ومن أعرض عنه ازداد حيرة وضلالا.
ثم قال سبحانه:
(يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين).
فالقرآن واحد، ولكن القلوب مختلفة؛ فهو شفاء للمؤمنين، وحجة على المعرضين. ومن أعظم سنن الله أن من طلب الحق هداه، ومن أعرض عنه وكابر تركه الله وضلاله.
ثم وصف هؤلاء الفاسقين فقال:
(الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون).
إنهم قوم جمعوا بين نقض العهد، وقطع الأرحام، والإفساد في الأرض، فاستحقوا الخسران المبين. وليس الخاسر من فقد مالا أو منصبا، وإنما الخاسر حقا من خسر رضا الله وجنته.
ثم ختمت الآيات بخطاب يهز القلوب:
(كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).
أي كيف يقع الكفر ممن رأى آثار قدرة الله في نفسه؟ لقد كنت عدما لا وجود لك، فأوجدك الله، ثم يميتك عند انتهاء أجلك، ثم يبعثك للحساب، ثم تقف بين يديه لا يخفى عليه منك شيء. فمن تأمل هذه المراحل الأربع علم يقينا أن الخالق المستحق للعبادة هو الله وحده.
ولو تأملنا واقع الناس اليوم، لرأينا أن كثيرا منهم انشغل بزينة الدنيا حتى نسي الغاية التي خلق لها، وغفل عن اليوم الذي سيقف فيه بين يدي ربه.
ولو استقر في القلب أنه راجع إلى الله، لاستقامت الجوارح، وصلحت الأعمال، وخف التعلق بالدنيا، وعظم الاستعداد للآخرة.
ولهذا تعلمنا هذه الآيات أن طريق الجنة يبدأ بالإيمان والعمل الصالح، وأن القرآن لا يزيد المؤمن إلا يقينا، وأن فساد القلب يحرم صاحبه الانتفاع بالوحي، وأن أعظم دليل على وحدانية الله هو خلق الإنسان وإحياؤه وإماتته ثم بعثه، فمن أيقن بذلك عاش لله، واستعد للقائه، وفاز بالسعادة الأبدية.
رسائل الآيات إلى المسلم:
الأولى: اجمع دائما بين الإيمان والعمل الصالح، فهما طريق الجنة.
الثانية: اجعل شوقك إلى الجنة يدفعك إلى الطاعة ويهون عليك مشقة العبادة.
الثالثة: استقبل أمثال القرآن بالتدبر والتسليم، ففيها من الهداية ما يفتح القلوب.
الرابعة: احذر الفسق ونقض العهود وقطع الأرحام، فإنها من أسباب الخسران.
الخامسة: تذكر دائما أنك ستموت، ثم تبعث ثم تقف بين يدي الله، فاستعد لذلك اليوم.
السادسة: لا تجعل القرآن مادة للاعتراض، بل اجعله منهاج حياة تهتدي به في كل شأن.
السابعة: أكثر من سؤال الله الثبات على الإيمان حتى تلقاه وهو راض عنك.
القرآن لا يخاطب العقول وحدها، بل يخاطب القلوب أيضا؛ فيفتح للمؤمنين أبواب الرجاء، ويكشف للمعرضين أسباب ضلالهم، ثم يوقظ الغافلين بأعظم حقيقة في الوجود: أننا خلق لله، وإلى الله، وسنرجع جميعا إلى الله، فمن استعد لذلك الرجوع فاز، ومن غفل عنه خسر خسرانا لا يعوض.
معاني مفردات الآيات:
وبشر: أخبر بما يسر ويفرح.
آمنوا: صدقوا بالله ورسوله تصديقا جازما.
عملوا الصالحات: قاموا بالأعمال التي يحبها الله ويرضاها.
جنات: بساتين عظيمة كثيرة الأشجار.
متشابها: يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم واللذة.
أزواج مطهرة: زوجات منزهات عن كل نقص وأذى.
خالدون: ماكثون فيها أبدا.
لا يستحيي: لا يترك ولا يمتنع.
فالحياء المنفي هنا ليس الحياء الذي هو صفة كمال، وإنما نفي لترك الفعل الذي قد يتركه بعض الناس حياء.
يضرب مثلا: يذكر تشبيها لتقريب المعنى.
الفاسقين: الخارجين عن طاعة الله.
ينقضون: يفسدون ويخالفون.
ميثاقه: عهده المؤكد.
يفسدون في الأرض: ينشرون الفساد كالمعاصي والظلم والفتن.
الخاسرون: الذين خسروا أنفسهم وآخرتهم.
أمواتا: عدما قبل أن يخلقكم.
ثم إليه ترجعون: تعودون إليه للحساب والجزاء.