الثلاثاء 23 صفر 1441 هـ || الموافق 22 أكتوبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    الدفاع عن السنة المطهرة وشبهات الطاعنين فيها وفي رجالها    ||    عدد المشاهدات: 275

سلسلة الدفاع عن السنة المطهرة وشبهات الطاعنين فيها وفي رجالها
الحلقة (1)
بفلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

مدخل الدراسة


بدأ الطعن في السنة النبوية المطهرة بظهور أهل الفتنة والزندقة في أواخر خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذين عمدوا إلى بث بعض الشبه المضلة التي انتهت باختراع بعض الأحاديث المكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام وذلك بعد مقتل عثمان بن عفان وتولي علي بن أبي طالب الخلافة، ويبدو أن سنة أربعين، أو إحدى وأربعين للهجرة، وذلك اثر مقتل الخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه، هي السنة التي فشا فيها الكذب على رسول الله، وهذا الكذب دليل على رفضهم للسنة، وإعلان الحرب الصريحة عليها وعلى رواتها الأعلام الثقات الذي ميزهم الله بحفظ السنة وتجريد ما كان من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وما كان من حديث غيره.
ولذا لم تكن طبقة الوضاعين من أهل الزندقة والجدل في العهد النبوي بالاتفاق ولا في عهد أبي بكر ولا عهد عمر ولا عهد عثمان رضي الله عنهم، لأن أهل الزندقة والجدل كما أشرت سابقاً ظهروا في أواخر عهد عثمان وبدأ لهم صيت بعد مقتله وذلك بعد عام 35هـ، ثم ظهر الوضع عام 40 أو 41 للهجرة، وقد سبقهم في الظهور الخوارج الذين وفدوا من مصر والعراق إلى المدينة منكرين على عثمان توظيف بعض أقاربه في دولة الخلافة حيث انتهى نكيرهم بقتله ظلماً وعدواناً وهو صائم يقرأ كتاب الله.
ولم يُعرف الخوارج بوضع الأحاديث على رسول لله وإنما كانت بدعتهم تكفير المسلمين بالكبيرة والدعوة للخروج على الأمراء بمجرد المعصية، وعادةً يتأولون الحكم جهلاً حتى ينتهي الأمر حسب معتقدهم إلى تكفير مخالفهم ومن ثم استباحة دمه، ولذا فهم قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ومن ثم علي رضي الله عنهما.
لقد كثرت الفتوحات الاسلامية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنهما وكان من تلكم الفتوحات بلاد فارس وبعض بلاد العجم فاختلط العرب بالعجم، ودخلت بعض الثقافات غير العربية بلاد الجزيرة اثر هذه الفتوحات، وكان من تلكم الثقافات ثقافة بعض اهل فارس وغيرهم من العجم المسلمين وغير المسلمين، والتي احتوت على ثقافة الرأي والجدل الموروث من البوذية واليونانية الفلسفية والمجوسية الفرسية، وقد احتضن هذه الثقافة الجدلية ضعفاء النفوس من العرب الذين كانوا يرجعون في مصطلحاتها آنذاك إلى عجم فارس والروم وبعضهم من غير المسلمين، وهذا ما أدى إلى ظهور صولة للزنادقة وأهل الرأي وصار لهم أتباع ومدرسة جدلية ذات مرجعية تطعن في السنة وتبث الشبه والسموم، ومن ذلك قولهم للناس : يقول الله عز وجل: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كثيراً" فسعوا لاسقاط السنة ورجالها بتأويل خطأ عمداً لمثل هذه الآية ونحوها، وكان هذا قبل تدوين الحديث النبوي ليبعدوا الناس عن السنة التي يحدث بها أئمة الحديث آنذاك، فعظمت فتنتهم وأكثروا الشكوك في السنة وأهلها، ومن مشاهيرهم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي ترأس فتنة الروافض كما سيأتي.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال : " لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا : سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ، فلا يؤخذ حديثهم".
إن الناظر في تاريخ الطوائف والرجال يجد أن أسباب الطعن في السنة ورجالها يعود إلى ثلاثة أسباب :
السبب الأول: وجود دخلاء من غير المسلمين في صفوف المسلمين، ووظيفتهم تمزيق الصف وتشكيك المسلمين بدينهم من خلال بث بعض الشبه الشيطانية.
السبب الثاني: الجهل.
السبب الثالث: الهوى.
فأما السبب الأول فقد ظهر في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه : عبد الله بن سبأ وهو رأس الزنادقة على الاطلاق، وقد عظم فجوره وكذبه بعد سنة أربعين للهجرة، وهو أول من وضع لأهل البيت مبدأ الرفض، ووضع لمن صدقه من شيعة العجم آنذاك بعض الأسس الهشة التي لا صلة لها بالاسلام منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على خلافة علي بن أبي طالب بعده، وأنه معصوم ومظلوم، ولم يقل ذلك حباً في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وإنما غرض هذا الزنديق ومن شايعه من الزنادقة هدم الإسلام، ويُعد هذا الزنديق من أوائل من كذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأول من أظهر الطعن والشتم في الصحابة حيث طعن في أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعائشة بنت أبي بكر وغيرهم من الصحابة، وقد أظهر سمومه وشبهه في صفوف المسلمين، وشاركه في ذلك جماعة من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ممن أظهر الاسلام نفاقاً وكذباً، وأدخلوا معهم كتب فلاسفة ومتكلمي اليونان والبوذية والمجوسية وترجموها إلى العربية، ونشطوا مع مرور الزمن واستمر نشاطهم جيلاً بعد جيل حتى بلغ ذروته زمن الخليفة العباسي " المأمون" الذي كان رأساً في دعم أهل الفتنة من المتكلمين والفلاسفة وخصوصاً رؤوس التجهم والتشيع منهم، والذين بدورهم أوغروا صدر الخليفة على علماء الحديث ومشايخ السنة حتى امتحنهم بفتنة خلق القرآن، وكانت تلكم الكتب سبباً في تقوية مذهب المتكلمين من أهل الزندقة والجدل سواء كانوا رافضة أو معتزلة أو جهمية أو غيرهم، فأكثروا الشبه والطعون في السنة ومحاربة أهلها، واستمرت الشبه والطعون تتوالى وتتكرر بين الحين والآخر حتى ظهرت مدرسة المستشرقين العجم الذين أظهروا سموهم وطعونهم في السنة وخصوصاً في أواسط القرن الثامن عشر الميلادي وما بعده وكانت حملتهم حملة غربية يهودية نصرانية صليبية مهمتها زعزعة عقيدة المسلمين وجمع الشبه حول الكتاب والسنة ومن ثم بثها في أوساط المسلمين لتشكيكهم في دينهم وحضارتهم بدعم مادي ومعنوي من أعداء الله، وقد تلقفها متشبعو الشبهات والضلالات في بلادنا الاسلامية والعربية من فلاسفة ومتكلمين وشيعة ومعتزلة ودجالين وغيرهم من أهل الأهواء والبدع، واستمر الأمر حتى عصرنا الحاضر، وما زالت الشبه والضلالات القديمة تدور ويضاف عليها الجديد في ميادين من سبق ذكرهم، كما احتضن هذه المدرسة الاستشراقية من العرب المسلمين رعاع سموا أنفسهم بالتنويريين، وهم قوم تأثروا بحضارة وعفن الغرب للطعن في قواعد الاسلام ومبادئة، مستخدمين كل ما لديهم من الدعم الغربي كوسائل الاعلام المرئي والمقروء والمسموع حتى هذه اللحظة.
ومع أن أهل الزندقة والجدل والفلسفة والكلام كانوا طوائف قديمة لكن أتباعهم تسلسلوا مع مرور الزمن ليبقى غلمانهم حتى يومنا هذا.
ومما يؤسف له : أن معاقل دور العلم الرسمية كالجامعات العربية والمعاهد والمراكز التعليمية الرسمية تزخر بجمع من جحافل أساتذة الفلسفة والكلام، وهم اليوم يدعون لمناهج أسيادهم القدماء ويزرعون هذه الأمراض الفتاكة في أذهان أبنائنا الطلبة من خلال التدريس والمؤلفات المحمومة لينشئوا جيلاً يحارب السنة وأهلها إلا من سلمه الله من الطلاب ممن هو على حصانة علمية من خلال مجالسته لعلماء السنة الأفاضل.
لقد تطور الأمر في أوساط الشباب " رواد الانترنت" الذين يقرأون ويقفون على مثل تلكم القواعد الشيطانية والشبه العدوانية التي يحييها بين الحين والآخر الرافضة والقرأنيون وأهل الدجل من دعاة المهدية الذي كثروا في عصرنا الحاضر، وكلهم متفقون ومتكاتفون على الطعن في السنة ورجالها رغم أنهم فيما بينهم أعداء، وكل طائفة منهم تلعن أختها لكون رئيسهم ابليس، الذي أراد إبعادهم عن الحق مع تمزيقهم شذر مذر لأن ابليس عدو للبشرية جمعاء، وسيتبرأ منهم يقوم الاشهاد لرب العالمين: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ، وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم، مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ، إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".
وأما السبب الثاني : وهو الجهل فقد تلقف العوام من العرب والعجم المسلمين هذه الطعونات والشبه والأحاديث المكذوبة لكونهم صدقوا من أتى بها، وأغلبهم قد يكون على نية حسنة.
وأما السبب الثالث : وهو الهوى، وذلك أن بعض المثقفين قد يكون صاحب بدعة وضلالة وحقد على أهل السنة فيتعصب لمن يراه معادياً لأهل الحق كائناً من كان حتى وإن كان على يقين بأن المعادي للسنة وأهلها على باطل فإنه يؤيده حقداً وعداوة لأهل السنة، فلا يقبل الحق القائم على أدلة الكتاب والسنة لكونه تشبع بالضلالة والشبه حتى ران الله على قلبه.
ولا شك أن الهداية قد تحصل لأي فرد ممن أراد الله لهم خيراً من الأصناف الثلاثة متى سعوا في تحصيلها، وتجردوا لطلب الحق بدليله من الكتاب والسنة من غير تعصب.
وسنعرف من خلال هذه السلسلة بإذن الله الكثير من هذه الشبه مع الجواب عليها وفق كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ووفق ما فهمه الأوائل من أهل القرون المفضلة، ووفق ما سار عليه صالحو أهل القرون المتلاحقة من أئمة الدين والاجتهاد قديماً وحديثاً.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام