الخميس 28 شوال 1447 هـ || الموافق 16 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6184

شخص يعقد الزواج - بشروطه الشرعية - بين الشباب المسلم والكتابيات في بلاد الكفر دفعا من وقوعهم في الزنا ولكي يحصلوا على الإقامة والعمل هناك، ما حكم ذلك؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 313: الموضوع فضيلة الشيخ: أنا طالب علم شاب، ساكن بشمال أوروبا، عندنا ظاهرة كثيرا ما تحدث؛ ألا وهي ظاهرة الشباب القادم من البلدان الإسلامية لطلب الرزق، والشباب القادم لا حظّ لهم بالبقاء أو للحصول على الإقامة إلا إذا كانوا أصحاب رؤوس أموال كبيرة فيستثمرونها وهذا نادر جدًا. 
أما القسم الثاني فلا بد له أن يتزوج بامرأة وحينها بموجب القانون يحق له البقاء، الذي يحدث مع الأسف أن الشباب يلتقون بالفتيات الغربيات طمعا في الزواج بهن، ففي كثير من الأحيان يسألونني أن أعمل لهم عقد زواج شرعي، حتى تكون العلاقة شرعية. 
وأنا أقوم بذلك لأمور: 
لأن الفتاة لا ترضى في أول وهلة أن تعمل عقدًا رسميًا عند الدولة عن طريق المسجد! تريد أن تطمئن قبل، وهنا تكمن خطورة ممارسة الشاب معها الزنا، لذا تجنبًا لهذه الظاهرة أساعدهم بعمل عقد شفوي مع كل ما يقتضيه من شروط فقهية، مؤخرًا طلب مني أخ صديق أن أعقد لشاب ذي أصل مسلم يريد الزواج ببنت نصرانية، لكنني اكتشفت أن الشاب لا يصلي، وليس من عادتي أن أساعد تارك الصلاة في مثل هذه المسائل، لكنه غلب على ظني أن الشاب يمارس الزنا معها، وإذا لم أعقد له فإن الظاهرة ستستمر، وفكرت أيضا لو أني ساعدته لعل الله ييسر له أمر الصلاة ـ والله أعلم ـ  وحتى أسد بابًا للشيطان ألا وهو قوله: كيف لك أن تصلي وأنت تزني؟!  فما رأي فضيلة الشيخ في هذه المسألة؟ 


ج 314: أما قولك إنك تعقد للمتزوجين عقدًا شرعيًا شفهيًا تستوفي شروطه الشرعية المبينة في كتب الفقه الإسلامي دفعًا للوقوع في الزنا لكون الدول الكافرة هنالك تفرض قانون الكنيسة في التزويج فهذا أمر محببٌ إليه ونسأل الله أن يكتب أجرك وأن ينفع بك وما تعمله يعد من التعاون على الخير لقوله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"(1).

وأخرج مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه"(2).
 
وأما الشاب الذي تيقن لك أنه لا يصلي ويمارس فاحشة الزنا من المرأة التي طلب عقد الزواج عليها فينبغي لك أن تسد باب الذريعة وألا تعرض عنه وخصوصًا أنه من أصل مسلم ويعيش بين ظهراني الكفرة ومثله يحتاج إلى النصيحة والإرشاد لأن الغالب على أمثاله الجهل بالدين، وبهذا ينبغي لك ثلاثة أمور:
 
الأول: أن تنصحه بالمحافظة على الصلاة في جماعة وخطر من تركها وتذكره بأدلة الشرع والتي منها:
 
قوله تعالى: "فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"(3).
 
وقوله تعالى: "فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"(4).
 
وقوله تعالى: "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ(5) أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(6)"(7).
 
وبقوله عليه الصلاة والسلام: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"(8). أخرجه مسلم عن جابر.
 
وقوله عليه الصلاة والسلام: "العهد(9) الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"(10). أخرجه أحمد والأربعة إلا أبا داود.
 
الثاني: أن تبين له خطر الزنا وتذكره بأدلة الشرع والتي منها:
 
قوله تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ(11) مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ"(12).
 
وقوله تعالى: "الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"(13).
 
وقوله تعالى: "وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً(14) وَسَاء سَبِيلًا(15)"(16).
 
وبقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهبُ نهبةً يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها(17) وهو مؤمن"(18). متفق عليه من حديث أبي هريرة.
 
وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب(19) الزاني، والمارق(20) من الدين التارك للجماعة(21)"(22). أخرجه الشيخان عن ابن مسعود.

ثم تُبين له أن باب التوبة مفتوح وتذكر له ما تحفظ من الأدلة في هذا الباب لعل الله أن يصلحه على يديك وتنتفع بأجر صلاحه عملًا بما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي أُبْدِعَ(23) بي فاحْمِلْنِي فقال: "ما عندي"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"(24).
 
الثالث: أن تعقد لهما العقد الصحيح المستوفي لشروطه إذا كانت الشابة قد حملت منه دفعًا لضرر أكبر وهو معاشرة الشاب الشابة مع الحمل بدون عقد زواج شرعي صحيح عملًا بسنة عمر بن الخطاب: أنه عقد بين رجل زنى بامرأة فحبلت منه فأقام الحد ثم زوجهما.
 
أما إذا تبين أنها لم تحمل منه فينبغي عليك لهما النصيحة والتوجيه وتحذيرهما من ذلك وعدم تزويجهما إن لم يتوبا عن ذلك عملًا بقوله تعالى: "الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"(25).
 
فإن تابا فلك أن تعقد لهما لأن التوبة الصادقة تجب ما قبلها لحديث: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"(26). أخرجه ابن ماجة والحديث حسن؛ وبالله التوفيق. 
__
[(1)] سورة المائدة، الآية (2).
[(2)] أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة (4/1726 رقم 2199)] من حديث جابر بن عبد الله. 
[(3)] سورة التوبة، الآية (5). 
[(4)] سورة التوبة، الآية (11). 
[(5)] فجاء من بعد هؤلاء المفضلين أولاد سوء.     
[(6)] شراً، ويقال: وادي في جهنم يسمى غَيّاً.     
[(7)] سورة مريم، الآية (59). 
[(8)] أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (1/88 رقم 82)] من حديث جابر بن عبد الله. 
[(9)] بينّهم للمنافقين شبّه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد والكف عنه. 
[(10)] أخرجه أحمد في مسنده [باقي مسند الأنصار، حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه (5/346 رقم 22987)] من حديث بريدة. 
[(11)] فرقة يمكن أن تكون حافة حول شيء من الطوف وأقلها ثلاثة وقيل واحداً واثنان، والمراد جمع يحصل به التشهير.     
[(12)] سورة النور، الآية (2). 
[(13)] سورة النور، الآية (3). 
[(14)] معصية مجاوزة حد الشرع والعقل والفطر, ظاهرة القبح.     
[(15)] بئس الطريق الموصل الى الزنا طريقاً للآثار السيئة والنتائج المدمرة التي تترتب عليه أولها أذية المؤمنين في أعراضهم وآخرها جهنم والشر العظيم في الدنيا.     
[(16)]  سورة الإسراء، الآية (32). 
[(17)] انتهب ونهب إذا أغار على أحد وأخذ ماله قهراً.     
[(18)] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه (2/875 رقم 2343)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله (1/76 رقم 57)] كلاهما من حديث أبي هريرة. 
[(19)] المحصن (من سبق له الجماع في نكاح صحيح).     
[(20)]الخارج التارك.     
[(21)]  جماعة المسلمين.     
[(22)] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الديات، باب قول الله تعالى (6/2521 رقم 6484)]، ومسلم في صحيحه [كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم (3/1302 رقم 1676)] كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود. 
[(23)] هلكت دابتي,، وهي مركوبي، يقال "أبدعتْ الراحلة": إذا انقطعت عن السير لِكلال (تعب)، جعل انقطاعها هما كانت مستمرة عليه إبداعًا عنها أي: إنشاء أمر خارج مما اِعتيد منها. 
[(24)] أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير (3/1506 رقم 1893)] من حديث أبي مسعود الأنصاري. 
[(25)] سورة النور، الآية (3). 
[(26)] أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الزهد، باب ذكر التوبة (2/1419 رقم 4250)] من حديث عبد الله بن مسعود.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام