منع التزويج بسبب كبر سن المرأة عن الرجل وعلو مستواها عنه
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 671: فضيلة الشيخ، في أول وأكبر أزمة أقابلها في حياتي، أنا فتاة أبلغ من العمر سبعًا وعشرين سنة، نشأت في كندا أنا وإخوتي، والحمد لله كانت تربيتنا تربية صالحة، وأهلي لم يقصروا معنا في أي شيء، وقبل سنتين ذهبت إلى الكويت لأعمل هناك وكانت تجربة رائعة، أحببت التراث والحياة الشرقية العربية الإسلامية على أصولها، وكان في العمل زميل شاب يصغر عني بحوالي ست سنين وهو سوري الجنسية، وحياته تختلف عن حياتي في بعض التفاصيل؛ مثل أنه من عائلة بسيطة جداً، ولديه عشرة إخوة، والشيء الذي كان أعظم من كل هذا هو أخلاقه ودينه، علمني كثيراً عن ديني دين الإسلام، وتعلمت منه طريقة اللباس الشرعي وبعض السنن النبوية، وشجعني أن أتحجب فقوِيَتْ محبتي لديني كثيرًا، وفاجأني في يوم ما حين حدثني بأنه يريد الزواج مني، وكنت مندهشةً لفارق السن، ولكن قال: إنه لا يهمه، وأنا بصراحة لن أقابل في حياتي إنساناً أحسن منه في أخلاقه ودينه، وعندما أتى لوالدي ليتقدم بصفة رسمية رفضه لفارق الماديات، بما أن راتبي ثلاثة أضعاف راتبه الشهري، وكذا الفارق الاجتماعي، وكلما حاولت أن أشرح لوالدي أراه يسخر مني ويقول لي: وكيف ستعيشون؟ وأهله هو أيضاً قالوا له: إن الفرق الاجتماعي كبير وإنني ربما مدللة، وأنا لست كذلك، والمرجو من فضيلة الشيخ هو: ماذا أفعل لكي لا أضيع في مشكلتي هذه؟ أرجو نصيحتك.
ج 671: عليك أن تحمدي الله على نعمة خروجكم من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وكفى بها نعمة؛ فإن العيش في بلاد الكفر يسبب أضرراً كثيرة للمسلمين منها:
1- إلزام المسلمين بقوانين كفرية؛ كعدم الأحقية للوالد إذا بلغ أولاده أن يمنعهم ما يريدون من الإباحية وغيرها.
2- إلزام المسلمين بعدم التدخل في إنكار المنكرات.
3- إقامة دور الدعارة علنًا.
4- محاربتهم لدين الله.
5- إلزام تجار المسلمين إذا أقاموا محطات البترول والأسواق أن يبيعوا الخمور.
6- أنه لا حق للزوج أن يمنع زوجته من العشيق وفعل الفاحشة مع أي انسان أرادته، فالحمد لله الذي أبعدكم من العيش في مثل هذه البلدان.
وقد أخرج الامام أحمد في "المسند" والنسائي في "السنن" بإسناد حسن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين"([1]) ويقول أيضًا كما في سنن أبي داود: "أَنَا بَرِىءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ"([2]).
وأما رغبتكِ بالزواج من هذا الشاب فلا تتم إلا بشرطين وإلا كان الزواج باطلاً: وهما وجود الولي -وهو والدك-، وشاهدَيْ عدلٍ؛ للحديث الحسن الذي أخرجه البيهقي وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"([3]).
والذي أنصحكِ به أن تكثري من الدعاء، وأن تحاولي مع والدتك أو أحد أقاربك في إقناع والدك لعل الله أن ييسر، فقد أخرج ابن ماجه وغيره من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"([4])، ([5]).
كما أن اتصالك الدائم بالله سببٌ من أسباب النجاح والتوفيق والعفة؛ فقد ثبت في الحديث الذي أخرجه بعض أهل السنن وأحمد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف([6])،([7]).
كما أنصحك ألا تختلطي بهذا الشاب أو تجالسيه؛ لأنه لا يحل لك إلا بعد عقد النكاح، قال تعالى: "وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ"([8]).
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يخلوَنَّ رجلٌ بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم"([9]).
وفي الصحيح أيضاً: "ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"([10]).
وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو([11])؟ قال: "الحمو الموت([12])"([13])، وبالله التوفيق.
[1] أخرجه أحمد في المسند (20037)، والنسائي في "السنن" [كتاب الزكاة - باب من سأل بوجه الله -عز وجل- (5/82 رقم 2568)]، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
[2] أخرجه أبو داود في "السنن" [كتاب الجهاد - باب النَّهْىِ عَنْ قَتْلِ مَنِ اعْتَصَمَ بِالسُّجُودِ (2/ 349 رقم 2647)]، من حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-.
[3] أخرجه البيهقي في السنن (7/111رقم13423) وابن حبان في صحيحه (9/386رقم 4075) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.
[4] أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في ذي الحسب والمال تكن فتنة وفساد لأن الحسب والمال يجلبان إلى الفتنة والفساد عادة.
[5] أخرجه الترمذي في "سننه" [كتاب النكاح، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه (4/365 رقم 1107)]، وابن ماجه في "السنن" واللفظ له [كتاب النكاح، باب الأكفاء (3/390 رقم 1967)].
[6] قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذانا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره، لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين. [تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (المتوفى: 1353هـ) - دار الكتب العلمية - بيروت].
[7] أخرجه أحمد في "المسند" (12/ 378 رقم 7416)، والترمذي في " السنن" [كتاب فضل الجهاد - بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُجَاهِدِ وَالنَّاكِحِ وَالْمُكَاتَبِ وَعَوْنِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ (3/ 288 رقم 1655)]، والنسائي في "سننه" [كتاب الجهاد - باب فضل الروحة في سبيل الله (6/15 رقم 3120)] من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
[8] سورة الأحزاب: (53).
[9] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب النكاح- باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة (5/2005 رقم4935)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب الحج - باب سفر المرأة مع محرم إلى حج أو غيره. (2/ 978 رقم 1341)] عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -.
[10] أخرجه الإمام أحمد في "المسند" برقم (177) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مرفوعًا.
[11] أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج كابن العم ونحوه.
[12] معناه أن الخوف منه أكثر من غيره، وأن الشر يتوقع منه والفتنة أكثر؛ وذلك لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة من غير أن ينكر عليه، بخلاف الأجنبي.
[13] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة (5/2005رقم 4934)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب السلام - باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها (4/ 1711 رقم 2172)].