الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 349

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(25)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

الحلقة الخامسة والعشرون: الحوثي وخطبة الجمعة


تحولت خطبة الجمعة في مناطق سيطرة الحوثيين من منبر للوعظ والتذكير إلى أداة دعائية تدار لخدمة مشروع سياسي ضيق يختبئ خلف عباءة الدين. 
فالجمعة التي كانت موعدا روحانيا تتطهر فيه النفوس وتسمو الأرواح وتستعاد فيها صلة العبد بربه، أصبحت عند الحوثيين مناسبة سياسية أقرب إلى نشرة أخبار أسبوعية تذاع من فوق المنبر، لا تحمل في مضمونها إلا ما تمليه الجماعة وما تراه في مصلحة بقائها.

يعتلي الخطيب المنبر لا ليذكر الناس بالله، بل ليعيد تكرار ما ورد في ملازم حسين الحوثي، فيقتبس منها العبارات ذاتها، ويستدل بها كما لو كانت نصوصا شرعية، ثم يربطها بأحداث الأسبوع وفق رؤية الجماعة، فيتحول المسجد إلى قاعة بث حوثية بلباس ديني مزيّف. 
لا ذكر للآخرة، ولا دعوة للتوبة، ولا تذكير بالموت، بل حديث متواصل عن العدوان، والولاية، والصرخة، حتى خلت الخطب من أي وعظ إيماني حقيقي.

تغيب في تلك الخطب المعاني التي كان المسلمون ينتظرونها بشغف: الزهد، والرحمة، ومحاسبة النفس، والتوبة، والاستقامة ونحوها من خطب الوعظ الإيماني، ويحل محلها التحريض والتعبئة والتخوين. 
بل لقد أصبحت الخطبة وسيلة عملية لجمع التبرعات باسم المجهود الحربي أو دعم الجبهات، حتى غدت بعض المساجد أسواقا للمال السياسي لا بيوتا لله.

ولا تكاد تخلو خطبة جمعة في مناطق الحوثيين من الصرخة، تلك الصيحة التي تختتم بها الخطبة لتؤكد الانتماء لا إلى الإسلام الجامع، بل إلى الطائفة الضيقة. 
إنها طقوسٌ تراد منها صناعة الولاء للجماعة، لا الولاء لله ورسوله والمؤمنين.

ولأن الفكر الحوثي لا يؤمن إلا بالصوت الواحد، فقد فرض على الخطباء أن يلتزموا بالنصوص المعدة مسبقا، حتى فقد المنبر حريته القديمة. 
لم يعد الخطيب عالِما أو واعظا أو مصلحا، بل مجرد مبلغ لبيان أسبوعي يلقى بلغة خشنة تخلو من روح الإيمان. ومع مرور الوقت، تحول كثير من هؤلاء الخطباء إلى أدوات تهاجم الدين نفسه، وتطعن في الصحابة، وتزرع الشك في القلوب باسم التصحيح، بينما هي في حقيقتها دعوة إلى التشيع السياسي وتمجيد السلالة وربط اليمن بإيران فكريا ومذهبيا.

تحت هذا الواقع الجديد، هجر كثير من الناس المساجد في يوم الجمعة، بعدما فقدوا في الخطبة تلك النفحة الروحية التي كانت تجمعهم على الإيمان والحق. 
فالمستمع الذي كان يجد في الخطبة راحة قلب ونور عقل، بات لا يسمع إلا لغة التحريض والكراهية، فآثر الصمت والغياب على حضور خطبة تستخدم لتزييف وعيه وإهانة رموز دينه.

لقد فقدت خطبة الجمعة معناها الحقيقي في ظل المشروع الحوثي، وصارت واجهة إعلامية للجماعة، ووسيلة لغسل العقول لا لتطهير القلوب، ومنبرا لترويج السلالة لا لتمجيد الله.
وهكذا أُطفئت أنوار المنابر التي كانت يوما منارات للهداية، وحلت محلها أبواق تعيد تدوير الفكر الحوثي وتغذيه، فغابت الموعظة، ومات الخشوع، وتحول صوت المسجد من نداء إلى الحق، إلى ترديد دائم لصوت الجماعة.

إنها ليست خطبة جمعة، فقد تغيّرت ملامحها.
تحول عميق في معنى الدين نفسه كما يقدمه الحوثيون، حيث يختزل الإسلام في الولاء السياسي، وتختطف العبادة لتخدم السلالة، ويستخدم المنبر لتسويق مشروع أرضي لا علاقة له بالدين.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام