لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(56)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة السادسة والخمسون: الحوثي وشبكة الاتصالات: رقابة، تمويل، وأمن سيبراني
تبرز اليوم في مشهد اليمن المنزف جملة من الحقائق التي تكشف عن العمق الاستراتيجي لقطاع الاتصالات والإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين: ليس مجرد بنية تحتية تقنية، بل ساحة تحكم ورقابة، وتمويل للحرب، وجبهة أمنية إلكترونية.
فحين يطوق القائمون على الأمر هذا القطاع، يصبحون فعليا من يشكل ملامح العلاقة بين المواطن والدولة – أو بين المواطن والمنظومة التي تستحثه فيها جماعة ساعية للهيمنة.
وسأوضح ذلك من خلال المحاور الآتية:
أولا: السيطرة على قطاع الاتصالات.
منذ استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014م، بدأ المشهد يتغير على نحو منهجي في قطاع الاتصالات اليمني.
ففي تلك اللحظة، وبعدها، بدأت الجماعة تشد قبضتها على بنى الاتصالات الكبرى، ومنها شركة "يمن موبايل" – التي كانت تعمل مسبقا في مختلف أنحاء البلاد – وقامت بتكريس موطئ قدم داخل أجهزة الدولة الصورية للاتصالات.
بحسب تقرير استخدام التكنولوجيا من قبل الحوثيين للقمع الصادر عن مؤسسة مكافحة التطرف عام 2023م، فإن الحوثيين يسيطرون على وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في المناطق التي بحوزتهم، ويملكون حصة مسيطرة في "يمن موبايل".
وبالموازاة، أشار تقرير الفريق الأممي المعني باليمن الصادر في 11 أكتوبر 2024م إلى أن منشآت الاتصالات تحت سيطرة الحوثيين أصبحت جزءا لا يتجزأ من البنية القومية للإدارة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وعليه، لم يعد الأمر مجرد امتلاك برج أو كابل، بل تعميق حضور الدولة الموازية.
إن السيطرة على شركات الاتصالات تعني التحكم في البنية التحتية، وفي قدرة الوصول إلى المعلومات، وفي قدرة الفعل الرقمي الذي يربط اليمنيين ببعضهم أو بالعالم الخارجي.
حين يصبح الخط الأرضي أو المحمول أو شبكة الإنترنت تحت إشراف مباشر ممن لا يخضعون لرقابة محايدة، ينقلب القطاع إلى آلية للهيمنة: أولا اقتصاديا، ثم سياسيا، وأخيرا أمنيا.
فبقدر ما تزدهر الاشتراكات وتزيد أعداد المستخدمين، بقدر ما يتعاظم الشق المظلم من هذا الازدهار – وهو ما أشارت إليه الدراسات أن عدد اشتراكات الهواتف المحمولة ارتفع منذ 2014م بنحو 20٪ ليصل إلى 18.6 مليون اشتراك، وعدد مستخدمي الإنترنت تضاعف ليصل إلى 7.2 مليون مستخدم بحسب التقرير ذاته.
إن هذا المسار لا يسير في فراغ؛ بل هو جزء من استراتيجية أوسع ترسيها الجماعة لتشكيل الأطر البديلة للحكم والسيطرة، بحيث تصبح شركة الاتصالات أو مزود الإنترنت محطة محورية في شبكة النفوذ داخل تلك المناطق.
ثانيا: استخدام الاتصالات كأداة رقابة.
حين تمسك شركة الاتصالات أو مزود خدمة الإنترنت من قبل جهة غير خاضعة للمساءلة، فإن الزمام الرقابي يتحول من الخلفي إلى الأمامي؛ من الاستماع إلى التوجيه، من المتلقي إلى الفاعل.
تستخدم جماعة الحوثي بنى الاتصالات كأداة مراقبة، ليس على مستوى بسيط من التجسس، بل ضمن صناعة بيئة تربط بين المستخدمين ونقاط الشبكة تحت سيطرتها.
تشير دراسة مؤسسة مكافحة التطرف إلى أن الحوثيين استثمروا شركات الهواتف المحمولة ومزودي الإنترنت كمصادر ثمينة للإيرادات والمعلومات الاستخباراتية.
كما يورد التقرير أنهم بعد تعزيز قبضتهم على مزود الإنترنت الحكومي، أصبح لهم القدرة على توجيه المحتوى، وإغلاق المواقع، وفرض الرقابة على ما ينشر أو يشاهد ضمن مناطقهم الخاضعة.
وعلى سبيل المثال، ورد في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن اليمن عام 2024م أن الأطراف في اليمن، ومن ضمنها الحوثيون، تورطت في استخدام الإنترنت للتجسس والمراقبة على مستخدمي الشبكة.
وبذلك لا تقتصر السيطرة على الإشارة أو الشركات، بل تمتد لتشمل الفعل الرقمي اليومي: المكالمات، الرسائل، الوصول إلى المعلومات، وحتى المنصات الاجتماعية.
فكلما طال تحكم الجماعة بالبنية التحتية للاتصالات، اتسعت دائرة القدرة على التوجيه، والحجب، والتجسس.
وعليه، فإن المتصل والمستخدم للرسائل والإنترنت في تلك المناطق لم يعد مجرد مستخدم، بل عنصر في نظام متكامل للرصد والتحكم.
ثالثا: تمويل الحرب عبر الاتصالات.
إن واحدا من الجوانب الأقل بروزا لدى العامة، لكنه الأكثر خطورة في الوقت نفسه، هو أن قطاع الاتصالات لم يعد مجرد وسيلة لخدمة المواطنين في المناطق الخاضعة للحوثيين، بل أصبح مصدر دخل مهم يستخدم لتمويل أنشطتهم العسكرية واللوجستية.
في مارس 2023م، أوردت صحيفة أراب نيوز أن خبراء الأمم المتحدة كشفوا أن جماعة الحوثي جمعت عبر النفط والضرائب والخدمات – ومن بينها خدمات الهواتف الثابتة والمحمولة – نحو 271.935 مليار ريال يمني خلال الفترة من 2 أبريل إلى 30 نوفمبر 2022م، مستثمرة هذه العوائد في أنشطة عسكرية.
من جهة أخرى، يشير تقرير تحديات الإيرادات العامة في اليمن الصادر في ديسمبر 2023م إلى أن الحوثيين عمدوا إلى تحويل مسار المعاملات الجمركية واستيراد الوقود لمناطقهم، مما خلق خسائر للحكومة الشرعية تقدر بنحو 50 مليار ريال يمني شهريا – وهذه العملية لا تنفصل عن عمليات الاتصالات التي تشاد، إذ أن الثقل المالي لهذا القطاع يعزز قدرة الجماعة على إبقاء آلة الحرب مشغلة.
ولعل هذه الحقائق تضعنا أمام واقع مؤلم: هو أن المشترك في شركة الهاتف أو من يستخدم خدمة الإنترنت قد يكون، دون أن يشعر، جزءا من حلقة تمويل تشغلها جهة مسيطرة، فالدفع الشهري أو الرسالة النصية أو الاشتراك المستمر جميعها تتحول إلى مدخل مالي يضاف إلى بنية تمويل الحرب.
وعندما تسيطر الجهة المسيطرة على عدة شركات اتصالات أو إنترنت، فإن الإيرادات المتأتية من هذه الخدمات تصبح ضمن الموارد الاقتصادية الواسعة التي تغذي مشروعا سياسيا وعسكريا.
رابعا: الهجمات الإلكترونية على الشبكة.
لا يكتفي الجانب الاقتصادي أو الرقابي في اتصالات الحوثيين بالتحكم التقليدي، بل دخل إلى فضاء الهجمات الإلكترونية واختراق البنية التقنية للخصم أو المنافس.
ففي تقرير الفريق الأممي المعني باليمن الصادر في أكتوبر 2024م ورد ذكر لجهود الجماعة في استغلال أنظمة الاتصالات والبنى التحتية المرتبطة بها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها لأغراض أمنية واستخباراتية.
ورغم أن التقرير لم يفصل أسماء المهاجمين أو المجموعات التي تقف خلف الهجمات، إلا أنه أشار إلى تعرض خدمات الاتصالات في صنعاء، وتلك التي تحت السيطرة الحوثية، إلى انهيارات مفاجئة نتيجة هجمات تقنية، مما كشف عن هشاشة النظام الأمني للشبكة – وهو ما تطابق مع حوادث عدة في السنتين الأخيرتين.
وهكذا، حين تتعرض شبكة الاتصالات للانهيار أو التعطل بسبب هجوم إلكتروني، فإن ذلك لا يعني فقط توقفا مؤقتا لخدمة المستخدم، بل انكشافا لضعف المنظومة الأمنية التي يفترض أن تحمي المستخدمين – ومن جهة أخرى، فرصة لمن يسيطر على الشبكة أن يستخلص البيانات أو يعطل التواصل أو يرعب المواطنين عبر شل الخدمات.
إنها حرب في خلفية الخطوط الرقمية، تدار بصمت لكن تداعياتها تصل إلى الواقع الحي للمواطن.
خامسا: استهداف الكابلات البحرية.
في المحيط الذي يحيط ببلادنا، يلعب موقع اليمن دورا أكثر أهمية مما يعتقد على مستوى البنى التحتية الرقمية العالمية: فمحاور الكابلات البحرية التي تربط القارات تمر بالقرب من سواحل اليمن، مما يجعل المنطقة نقطة ضعف استراتيجية.
في أوائل عام 2024م، نشرت صحف دولية تحذيرات من احتمال قيام الحوثيين باستهداف هذه الكابلات البحرية، أو على الأقل استخدام معرفتهم بها كوسيلة ضغط ونفوذ.
على سبيل المثال، نشر في صحيفة الغارديان في 5 فبراير 2024م تحذير من شركات الاتصالات: إن الحوثيين قد يرتكبون أعمال تخريب ضد الكابلات البحرية التي تحمل نحو 17٪ من حركة الإنترنت العالمية عبر البحر الأحمر.
وعلى الرغم من أن الحوثيين نفوا في بيان لاحق أي مسؤولية مباشرة عن قطع الكابلات، إلا أن الخطر ظل قائما، والتساؤلات ازدادت حول دورهم في التهديد بالبنية التحتية للاتصالات العالمية.
هنا يتداخل بعد آخر من أبعاد الحرب التقنية: ليست الحرب محصورة داخل البلد أو داخل البر، بل تمتد إلى أعماق البحار، إلى اللحظة التي يقطع فيها كابل تحت الماء، فيضعف ارتباط منطقة أو قارة بالعالم.
إنها محطة جغرافية وإلكترونية في آن، والحوثيون أحد اللاعبين الذين جعلوا من هذه المحطة ساحة استثمار أو تهديد.
سادسا: استخدام الإنترنت في التجسس.
مع ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن وتوسع نطاق الاتصال الرقمي، أصبح الإنترنت ليس مجرد نافذة للعالم، بل ساحة اشتباك بين السلطة والمواطن، بين الشفافية والرقابة، بين الحرية والمراقبة.
التقرير المشار إليه سابقا لـ مؤسسة مكافحة التطرف لاحظ أن الجماعة لا تكتفي بسيطرتها على الهواتف الأرضية والمحمولة، بل توجهت نحو استخدام الإنترنت كمجال للتجسس - إذ إن الوصول المتزايد للمستخدمين لا يواكبه حرية أكبر في الواقع، بل يقابله شبكة مراقبة متنامية.
كما يشير تقرير حقوق الإنسان الأمريكي لعام 2024م إلى أن الأطراف في اليمن استخدمت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لمراقبة مستخدمي الشبكة وتحديد مواقعهم ونشاطاتهم.
وبهذا، يصبح مستخدم الإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين ليس مجرد متصفح أو متفاعل، بل مرصودا محتملا، وعرضة لتقنيات تحليل البيانات والمراقبة الرقمية.
فكل رسالة تكتب، وكل تعليق ينشر، وكل تحميل يجرى، قد يصبح جزءا من قاعدة بيانات لدى الجهة المسيطرة تستخدم في استهداف المناصرين أو المعارضين أو حتى الصامتين.
سابعا: جهود الحكومة الشرعية لمواجهة السيطرة الحوثية.
في مواجهة هذا التراكم للسيطرة الحوثية على بنية الاتصالات، لم تكتفِ الحكومة الشرعية اليمنية بالصمت؛ بل بادرت بخطوات محورية لإزاحة هذا الاحتكار والاعتماد من الشبكات التي تسيطر عليها الجماعة.
ففي 6 أغسطس 2024م، أعلنت الحكومة ترحيبها بخدمة ستارلينك الفضائية لبدء خدماتها في اليمن، كجزء من مسعى تقليل التبعية على شبكة الاتصالات التي تديرها الجماعة وتعزيز أمن الاتصالات.
هذه الخطوة ليست مجرد إدخال تقنية جديدة، بل محاولة لكسر الحصار الرقمي، وتوسيع المجال البديل للاتصال، ومنح المواطنين خيارا خارج البنية التي تحتكرها الجماعة.
وإن نجاح هذه المبادرة أو فشلها لا يزال محل انتباه، لكن الأهم أنها تمثل إدراكا من الشرعية بأن المعركة الرقمية تتجاوز رقعة المعارك التقليدية: المعركة اليوم في اليمن هي أيضا من خلال الهواء، والبث، والألياف البصرية، والكابلات.
والحاصل: يبقى المشهد اليمني يدخلنا إلى ما يمكن تسميته جغرافيا السيطرة الرقمية.
في مناطق سيطرة الحوثيين، تحولت الاتصالات من خدمة اجتماعية إلى سلعة استراتيجية، من مجال حرية إلى مجال مراقبة، من مصدر دخل حكومي إلى مصدر تمويل حربي، ومن مسار اتصال إلى مسار تهديد أمني وإلكتروني.
والواقع أن من يفهم هذه الديناميكية يدرك أن الخطر ليس في المعارك التقليدية فقط، بل في البنى التحتية الرقمية التي تربطنا جميعا، وفيمن يتحكم بهذه البنى – وقد يكون مستخدم الهاتف أو الإنترنت في تلك المناطق، دون أن يشعر، أحد أطراف اللعبة.