لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(38)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الثامنة والثلاثون: الحوثي ويوم عاشوراء
في كل عام، يطل يوم عاشوراء على اليمن بوجه جديد من الوجع بسبب العفن الحوثي.
ذلك اليوم الذي كان في أصله يوم شكر لله على نجاة موسى عليه السلام من فرعون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى اليهود يصومونه كما في الصحيحين: (نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه).
لكن الحوثيين، ومنذ أن أحكموا قبضتهم على صنعاء عام 2014م، غيروا ملامح هذا اليوم في الذاكرة اليمنية.
لم يعد يوما للعبادة والصيام، بل صار موسما للجباية والتعبئة والدموع المصطنعة.
لقد أدخل الحوثيون إلى اليمن الطقوس الإيرانية الغريبة عن بيئته السنية.
فبعد أن كان يوم عاشوراء يمر كأي يوم من أيام الله المباركة، أصبحت منذ ذلك العام تقام فيها مواكب اللطم، وترفع الرايات السوداء، وتغلق المدارس والمؤسسات الحكومية لإجبار الناس على الحضور.
في صعدة، مهد الحركة، وثقت وكالة 2 ديسمبر الإخبارية (تقرير أكتوبر 2023م) أن الجماعة نصبت رموزا تمثل يزيد ومعاوية، وسمحت لأتباعها بضربها بالعصي في مشاهد استعراضية تستوحيها من الحسينيات الإيرانية، في تكرار مشين لمظاهر اللعن والسب التي تمزق النسيج الوطني.
وبحلول عام 2023م، كان يوم عاشوراء قد تحول في مناطق الحوثيين إلى موسم للتعبئة العسكرية وجمع الأموال.
وقد أشارت منظمة رايتس رادار اليمنية في تقريرها الصادر في يوليو 2024م إلى أن الجماعة استغلت المناسبات الدينية، وعلى رأسها عاشوراء، كأداة لجمع الأموال والتجنيد، وفرضت حملات إجبارية لاستقطاع رواتب العاملين والطلاب لصالح ما تسميه دعم الجبهات.
لم يعد يوم عاشوراء ذكرى روحية، بل غطاء لتجنيد الفقراء والأطفال، وتحويل الدين إلى وسيلة حرب، حيث تخرج الجماعة دفعات من المجاهدين بعد دورات تعبئة مغلقة، بينما يتساقط الشباب على جبهات الموت وهم يظنون أنهم ينتصرون للحسين، وهم في الحقيقة يستخدمون وقودا لمعارك عبدالملك الحوثي.
وفي عام 2024م، تصاعدت الأوضاع بشكل أكبر.
وقد أكدت تقارير رايتس رادار والشرق الأوسط أن الحوثيين فرضوا إتاوات واسعة على التجار وأصحاب المتاجر في صنعاء وذمار وحجة، تحت ذريعة تمويل فعاليات عاشوراء والغدير، وخصوصا في الأحياء التجارية الكبرى مثل هائل والمقالح والسنينة وحزيز، وخرجت فرق ميدانية مسلحة تابعة لما يسمى اللجنة العليا للاحتفالات لفرض الجبايات بالقوة، ومصادرة ممتلكات الممتنعين عن الدفع.
في الوقت ذاته، نشطت الجماعة في تجنيد طلاب المدارس والجامعات عبر دروس الثقافة القرآنية التي تتضمن مزيجا من الشعارات الطائفية والولاء لزعيم الجماعة، كما ذكرت صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم 4 يوليو 2025م.
وقد بلغت الأمور ذروتها في صيف 2025م، فخلال أربعين يوما فقط، أثقلت الجماعة كاهل اليمنيين بخمس مناسبات طائفية متتابعة: وهي عيد الغدير (يوم الولاية)، وذكرى وفاة بدر الدين الحوثي (والد زعيم الجماعة)، وبداية العام الهجري، وإحياء عاشوراء، وذكرى مقتل الحسين رضي الله عنه.
ووفقا لما نشرته صحيفة الشرق الأوسط (تقرير 4 يوليو 2025م، العدد رقم 5161390)، فقد خصص الحوثيون لهذه المناسبات ميزانيات ضخمة للدعاية وتعبئة الأنصار، وأجبروا المؤسسات العامة والخاصة على المشاركة تمويلا وتنظيما وحضورا.
كما نقلت الصحيفة شهادات من مواطنين في صنعاء، أكدوا أن مشرفي الجماعة ومعهم مسلحون شنوا حملات ميدانية لاستهداف التجار وإجبارهم على دفع جبايات بزعم تمويل فعاليات عاشوراء، وأن كثيرين منهم تعرضوا للتهديد بالمصادرة أو الاعتقال إن امتنعوا.
لقد كان عاشوراء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يوم صيامٍ وفرح بنصر الله،
فجعلوه يوم لطم وحزن ومواكب.
وكان يوما يذكر فيه الله شكرا، فأصبح عندهم يوما يذكر فيه عبدالملك الحوثي تبجيلا.
والحاصل: منذ عام 2014م إلى 2025م، تتكرر المشاهد ذاتها: شعارات سوداء، مسيرات مجبورة، دموع مصطنعة، وجبايات مفروضة.