الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 225

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(27)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

الحلقة السابعة والعشرون: الحوثي وسياسته المتخلفة


لا يحتاج المتأمل في واقع اليمن اليوم إلى كثير عناء ليدرك أن جماعة الحوثي تسير بالبلاد إلى الوراء، لا إلى الأمام، وأنها تمارس نوعا من السياسة التي تقف على الضد من كل قيم العصر ومقتضيات الدولة. 
سياسة ترفض العقل والشرع معا، وتخاصم التنمية، وتقدس السلالة، وتؤمن بأن الحكم حق وراثي مقدس لا يسأل عنه أحد. 
إنها سياسة متخلفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تدار مناطق الحوثيين بمنطق القرون الوسطى، حيث لا مكان للمؤسسات، ولا اعتبار للقانون، ولا وجود للمواطنة.

القرار يصنع في المجلس السياسي التابع للجماعة، لكنه في حقيقته يتخذ داخل دوائر مغلقة تهيمن عليها السلالة، وتنفذ عبر مشرفين لا يعرفون شيئا عن الإدارة أو الاقتصاد أو حقوق الإنسان.

فالعلم عندهم لا وزن له، والخبرة لا اعتبار لها، والولاء هو مفتاح المناصب والجاه.

سياسة الحوثي في جوهرها قائمة على إحياء الانقسام الطبقي والطائفي الذي جاء الإسلام ليهدمه. 
فقد أعاد تقسيم المجتمع إلى سادة وعبيدٍ بثوب جديد، فالسيد عندهم له حق في الحكم والإشراف، والعامي عليه الطاعة والخدمة. 
تلك الفكرة التي طواها الزمن في عصور الجهل، أعاد الحوثي بعثها في القرن الحادي والعشرين الميلادي، غير مبال بما حققته الشريعة الإسلامية من وعي وعدالة ومساواة.

تحت حكمهم، عادت اليمن إلى عصور لا صوت فيها للشرع والعقل، حيث يقدم النسب على الكفاءة، ويقدس الهاشمي ولو كان جاهلا، ويهمش العالم والمتخصص إن لم يكن من أهل البيت. 
إنها عقلية مغلقة لا تؤمن بالتعدد ولا تسمح بالاختلاف، وتتعامل مع الشعب كقطيع يجب أن يقاد لا أن يختار له.

أما في الاقتصاد، فسياسة الحوثي لا تقل تخلفا. 
فبدل أن يسعوا إلى الإنتاج والتنمية، انشغلوا بالجبايات والمصادرات. 
ضرائب بلا قانون، وإتاوات بلا حد، تفرض على التجار والمزارعين والمواطنين باسم المجهود الحربي وزكاة الخمس، بينما تنفق الأموال في خدمة الجماعة وقيادتها لا في خدمة الشعب. 
فانهارت العملة، وتوقفت المشاريع، وتفشى الفقر، وغابت العدالة.

وفي التعليم، يراد للجيل الجديد أن يربى على الجهل الموجه لا على العلم. 
حذفت من المناهج أحاديث نبوية صحيحة وابدلوها بأحاديث وآثار ضعيفة ومكذوبة ولا أصل لها، كما حذفوا أسماء العلماء والصحابة الذين لا يرضى عنهم فكر الجماعة، وأدرجت مفردات تمجد الولاية والثورة الحوثية المزعومة، وكأن المدارس صارت مصانع صغيرة لإنتاج الجندي المطيع لا المواطن الواعي. 

إنها سياسة تخنق المستقبل، وتقتل روح الإبداع في الأطفال باسم الدين.

حتى في الإعلام، يمنع النقد، وتكمم الأفواه، وتدار القنوات والصحف بخطاب واحد لا يرى في العالم إلا أعداء ومؤامرات. 
كل من يخالفهم يتهم بالعمالة، وكل صوت نزيه يسكت بالتهديد أو السجن أو التصفية. 
فصار الناس يعيشون في خوفٍ دائم، يراقبون في مساجدهم، وفي مدارسهم، وحتى في بيوتهم.

ومن دلائل تخلف هذه السياسة أنها لا تعرف مفهوم الدولة الناجحة المتقدمة. 
لا دستور، لا مؤسسات، لا قضاء مستقل. 
كل شيءٍ يخضع لمزاج المشرف، فهو القاضي والحاكم والمحقق والآمر الناهي. 
وهكذا تحول المواطن اليمني إلى رقم في قائمة الخضوع، لا قيمة له إلا بقدر ولائه للجماعة.

سياسة الحوثي لا تقيم وزنا للزمن، فهي تحاول أن تحكم القرن الحادي والعشرين بعقلية الكهف، وتدير الدولة بمنطق الغنيمة، وتخاطب الشعب بخطاب غيبي يستغل الدين الذي يدعوه لتبرير القمع. 
وهي بذلك لا تبني وطنا، بل تعيد إنتاج الإمامة التي لفظها اليمنيون قبل عقود، بعد أن ذاقوا ويلاتها واستبدادها.

لقد آن لليمن أن يتحرر من هذا القيد الفكري، وأن يستعيد وعيه. 
فالأمم لا تبنى بالشعارات ولا بالصرخات، بل بالنضوج والعلم والعدل. 
وسياسة الحوثي لا تعرف من ذلك شيئا؛ لأنها ولدت من رحم الكهنوت، وتعيش على الجهل، وتخاف من النور.

إن التاريخ لا يرحم المتخلفين، وكل مشروع يقوم على الوهم لا بد أن يسقط مهما طال الزمن. 
وسيبقى اليمن بأهله الشرفاء العظماء أكبر من كل جماعة تحاول أن تجعله أسيرا لقرون مضت، لأن الشعوب التي تضيء بالعلم والمعرفة لا يمكن أن تعود إلى الظلام.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام