بنو إسرائيل بين شكر النعمة والوفاء بالعهد
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (12)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ٤٠ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ٤١ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٤٢ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ٤٣﴾.
بعد أن بين الله في الآيات السابقة أن النجاة تكون باتباع الهدى، وأن الهلاك يكون بالكفر والتكذيب، بدأ يخاطب بني إسرائيل خطابا مباشرا؛ لأنهم كانوا أكثر الأمم علما بالوحي، وأعرفهم بصفات النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أعرض كثير منهم عن الحق بعد معرفته.
فجاء هذا النداء يحمل تذكيرا بالنعم، ودعوة إلى الوفاء بالعهد، وتحذيرا من كتمان الحق، وأمرا بالرجوع إلى الطاعة؛ لأن العلم إذا لم يقترن بالعمل كان حجة على صاحبه.
افتتح الله الخطاب بقوله:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ٤٠﴾.
إن أول طريق الهداية هو تذكر نعم الله؛ فالقلوب إذا استحضرت فضل المنعم أحبته، وإذا أحبته أطاعته، وإذا نسيت نعمه قست وانحرفت.
وقد أغدق الله على بني إسرائيل نعما عظيمة؛ فأنجاهم من فرعون، وفلق لهم البحر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأرسل فيهم الأنبياء، وآتاهم الكتاب، وفضلهم على عالمي زمانهم، ومع ذلك قابل كثير منهم هذه النعم بالجحود والعصيان.
والمراد بالعهد هنا: ما أخذه الله عليهم من الإيمان به، وطاعته، واتباع رسله، ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث.
ولهذا وعدهم بقوله:
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
أي: أوف لكم بما وعدتكم من الرحمة، والنصر، والهداية، وحسن الجزاء.
ثم قال:
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
أي: اجعلوا خوفكم مني وحدي، فلا يمنعكم خوف الناس من اتباع الحق، ولا يحملكم حب الدنيا على مخالفة أمر الله.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه:
(إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه).
فالخوف من الله هو الذي يمنع العبد من نقض العهد، ويصونه عن المعصية.
ثم قال سبحانه:
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ٤١﴾.
إن القرآن لم يأت لينقض الكتب التي أنزلها الله، وإنما جاء مصدقا لما بقي فيها من الحق، ومهيمنا عليها، ومكملا لما سبقها.
ولهذا كان الواجب على أهل الكتاب أن يكونوا أول المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم وجدوا صفته في كتبهم، وعرفوا زمانه، وبشرتهم به أنبياؤهم.
لكن كثيرا منهم قدموا الرياسة، والمكانة، والمكاسب الدنيوية على الحق.
ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
أي: لا تستبدلوا الحق بمصلحة زائلة، ولا تبيعوا دينكم بعرض من الدنيا، فإن الدنيا كلها قليلة إذا قورنت برضا الله والجنة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند ابي داود وغيره:
(من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)، يعني ريحها.
وهذا تحذير لكل عالم، ولكل داعية، ولكل من عرف الحق؛ ألا يجعل العلم وسيلة للدنيا، أو يكتم الحق طمعا في مال أو جاه أو منصب.
ثم قال تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٤٢﴾.
وهذه الآية من أعظم الآيات في التحذير من تحريف الدين.
فلبس الحق بالباطل يكون بإظهار الباطل في صورة الحق، أو خلط الحق بما يفسده، حتى يلتبس الأمر على الناس.
وكتمان الحق يكون بإخفاء العلم الواجب بيانه، أو السكوت عن الحق عند الحاجة إليه.
ولذلك جمع الله بين الأمرين؛ لأن أهل الباطل قد يزورون الحق، وقد يكتمونه، وكلاهما من أعظم أسباب فساد الأمم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:
(من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
وفي هذا أعظم الزجر عن تحريف الدين، ونسبة ما لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه.
ثم ختمت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ٤٣﴾.
فبعد تصحيح الاعتقاد، أمرهم بإصلاح العمل.
فالصلاة صلة بين العبد وربه، والزكاة إحسان إلى الخلق، والاجتماع مع الراكعين دعوة إلى لزوم جماعة المؤمنين، وعدم الاستعلاء عليهم.
ولذلك لم يكتف بالأمر بالصلاة، بل قال:
﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
إشارة إلى فضل الاجتماع على الطاعة، وأن المؤمن لا يعيش منعزلا عن جماعة المسلمين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:
(صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).
ولو تأملنا واقع الناس في عصرنا لرأينا أن أكثر الانحرافات تبدأ من هذه الأبواب نفسها؛ نسيان نعم الله، ونقض العهود، وبيع المبادئ بالمصالح، وكتمان الحق، وتلبيس الباطل على الناس، ثم التفريط في الصلاة والزكاة.
ولهذا جاءت هذه الآيات علاجا دائما لكل أمة؛ فصلاح المجتمعات يبدأ بشكر النعمة، والوفاء بالعهد، وتعظيم الوحي، وإظهار الحق، والمحافظة على أركان الإسلام.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: تذكر نعم الله عليك دائما، فإن شكر النعمة سبب لدوامها.
الثانية: أوف بعهد الله في الإيمان والطاعة، فإن الله لا يخلف وعده.
الثالثة: لا تجعل الدنيا ثمنا لدينك أو لمبادئك.
الرابعة: أظهر الحق ولا تكتمه إذا وجب بيانه.
الخامسة: لا تخلط الحق بالباطل، فإن الحق لا يحتاج إلى تزوير.
السادسة: حافظ على الصلاة والزكاة، فهما من أعظم أسباب صلاح الفرد والمجتمع.
السابعة: الزم جماعة المسلمين، فإن في الاجتماع على الطاعة قوة وبركة.
إن شكر النعمة لا يكون باللسان وحده، بل بالإيمان والعمل، وأن الوفاء مع الله هو أساس كل وفاء، وأن أعظم خيانة هي كتمان الحق أو تحريفه، وأن الأمة لا تصلح إلا إذا عظم أهلها الوحي، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، واجتمعوا على طاعة الله، فذلك هو طريق العزة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.
معاني مفردات الآيات
اذكروا نعمتي: استحضروا نعم الله واشكروا الله عليها.
عهدي: ما أمركم الله به من الإيمان والطاعة.
أوف بعهدكم: أنجز لكم ما وعدتكم من الثواب والنصر.
فارهبون: فاخشوني وحدي.
مصدقا لما معكم: موافقا لما في التوراة والإنجيل من الحق.
لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا: لا تستبدلوا بالحق متاع الدنيا الزائل.
تلبسوا: تخلطوا.
تكتموا الحق: تخفوا ما يجب بيانه.
الراكعين: المصلين الخاضعين لله.