تذكروا نعم الله قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه شيء
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (14)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ٤٧ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ٤٨﴾.
بعد أن وبخ الله بني إسرائيل على مخالفة ما يعلمون، وأرشدهم إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، ذكرهم سبحانه بأعظم ما يوقظ القلوب: تذكر النعم، واستحضار يوم القيامة. فالقلب إذا نسي فضل الله طغى، وإذا غفل عن الآخرة تجرأ على المعصية، ولذلك جمع الله بين التذكير بالماضي، والإنذار بالمستقبل؛ ليقوم العبد بين الشكر والخوف، وهما جناحان لا يستقيم سيره إلى الله إلا بهما.
افتتح الله الآيات بقوله:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ٤٧﴾.
إن تكرار هذا النداء في السورة ليس تكرارا خاليًا من الغرض المقصود، وإنما هو تأكيد لعظم النعمة، وشدة تقصيرهم في شكرها.
لقد فضلهم الله على عالمي زمانهم بما آتاهم من الأنبياء، والكتب، والآيات البينات، والنجاة من فرعون، وجعل فيهم الملك والنبوة، ولكن هذا التفضيل لم يكن تفضيلا مطلقا إلى قيام الساعة، وإنما كان مشروطا بالإيمان والطاعة، فلما بدلوا وغيروا، زال عنهم هذا الفضل، وانتقلت قيادة البشرية إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي آمنت بخاتم الأنبياء.
وفي هذا أعظم درس لكل أمة؛ أن النعم لا تدوم بالانتساب وحده، وإنما تدوم بالشكر والطاعة والاستقامة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها).
فإذا كان حمد الله على لقمة أو شربة سببا لرضاه، فكيف بالنعم العظيمة التي لا تحصى؟!
ثم انتقلت الآيات مباشرة إلى أعظم مشهد ينتظر الإنسان، فقال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
إنه يوم القيامة، اليوم الذي تنقطع فيه جميع العلاقات، وتسقط فيه جميع الامتيازات، فلا أب ينفع ابنه، ولا ابن ينفع أباه، ولا قريب يغني عن قريبه، وإنما يأتي كل إنسان حاملا عمله وحده.
وقد قال تعالى في سورة عبس:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾.
ثم قال سبحانه هنا:
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.
أي: لا تنفع الشفاعة أحدا إلا بإذن الله ورضاه، فلا يملكها نبي، ولا ملك، ولا ولي، إلا إذا أذن الله له، ورضي عن المشفوع له.
وفي هذا رد على من تعلق قلبه بالمخلوقين، وظن أن مجرد الانتساب إلى الأنبياء أو الصالحين ينجيه من عذاب الله.
وقد قال تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
ثم قال:
﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
أي: لا يقبل منها فداء، ولو بذلت الدنيا كلها وما فيها، فإن دار الجزاء ليست دار بيع وشراء، وإنما هي دار حساب وعدل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
فالنجاة ليست بالأحساب، ولا بالأنساب، ولا بالأموال، وإنما بالإيمان والعمل الصالح.
ثم ختمت الآية بقوله:
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ٤٨﴾.
فلا يجد أهل المعصية يوم القيامة من يدفع عنهم العذاب، أو يحميهم من عدل الله، بعد أن كانوا في الدنيا يظنون أن القوة، أو المال، أو الجاه، أو الأتباع، سينقذونهم.
إنها لحظة يتجرد فيها الإنسان من كل شيء إلا عمله.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:
(يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا).
فإذا كانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنجو إلا بطاعة الله، فكيف بغيرها؟!
ولو تأمل الإنسان واقع الناس اليوم، لوجد أن كثيرا منهم يركنون إلى الأمنيات، أو يظنون أن صلاح الآباء يكفي الأبناء، أو أن الانتساب إلى الإسلام يغني عن العمل، بينما القرآن يهدم هذه الأوهام كلها، ويقرر أن كل إنسان مسؤول عن نفسه، وأن الميزان يوم القيامة هو الإيمان والعمل.
ولهذا فإن أعظم ما يستعد به العبد لذلك اليوم هو صدق التوحيد، وإخلاص العبادة، وكثرة الأعمال الصالحة، ورد المظالم إلى أهلها، قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم، وإنما الحسنات والسيئات.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: أكثر من تذكر نعم الله، فإن شكرها سبب لدوامها.
الثانية: لا تغتر بمنصب، أو نسب، أو تاريخ، فإن الكرامة عند الله بالتقوى.
الثالثة: استعد ليوم القيامة بالعمل، لا بالأماني.
الرابعة: لا تتعلق إلا بالله، فهو وحده مالك الشفاعة.
الخامسة: بادر بالتوبة، فإن الفداء لا يقبل يوم الحساب.
السادسة: اعمل لنفسك، فإن أحدا لن يحمل عنك ذنبك.
السابعة: اجعل ذكر الآخرة حاضرا في قلبك، فإنه أعظم ما يزهد في الدنيا ويبعث على الطاعة.
هذه الآيات تهز القلب هزا، وتوقظه من غفلته؛ فهي تذكره بنعم الله التي تستوجب الشكر، ثم تنقله إلى ساحة القيامة حيث لا سلطان إلا لله، ولا نجاة إلا برحمته، ولا ينفع هناك جاه، ولا مال، ولا نسب، ولا شفاعة إلا بإذنه، فمن عقل هذه الحقائق عاش في الدنيا عاملا، وشكر النعمة، وخاف الحساب، ورجا رحمة ربه، حتى يلقاه وهو عنه راض.
معاني مفردات الآيات
اذكروا نعمتي: استحضروا نعم الله واشكروا الله عليها.
فضلتكم: خصصتكم بفضائل عظيمة على عالمي زمانكم.
اتقوا يوما: احذروا أهوال يوم القيامة.
لا تجزي نفس عن نفس شيئا: لا تغني عنها ولا تقضي عنها شيئا.
شفاعة: التوسط لجلب منفعة أو دفع مضرة بإذن الله.
عدل: فداء أو بدل.
ينصرون: يمنعون من عذاب الله أو يدفع عنهم.