النجاة من الطغيان وخطر نسيان النعم
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (15)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَآءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٤٩ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٥٠ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ٥١ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٢﴾.
بعد أن ذكر الله بني إسرائيل بنعمه عليهم إجمالا، أخذ يفصل لهم تلك النعم نعمة نعمة؛ ليعلموا أن تاريخهم كله شاهد على رحمة الله بهم، وأن تقصيرهم لم يكن بسبب قلة الإحسان من ربهم، وإنما بسبب قسوة القلوب، وسرعة نسيان الفضل، وضعف شكر المنعم.
وهذا منهج قرآني عظيم؛ فإن تذكر النعم من أقوى أسباب زيادة الإيمان، كما أن نسيانها من أعظم أسباب الكفر والجحود.
بدأت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَآءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ٤٩﴾.
لقد بلغ طغيان فرعون مبلغا لم يعرف له نظير في زمانه؛ فقد استعبد بني إسرائيل، وأذاقهم ألوان الإهانة والعذاب، وجعل أبناءهم يقتلون أمام أعين آبائهم، وأبقى النساء أحياء للخدمة والذل، في صورة بشعة من صور الظلم والطغيان.
ومع ذلك كله لم ينسهم الله، ولم يتركهم لجبروت الطغاة، بل أرسل إليهم موسى عليه السلام، وجعل بعد الشدة فرجا، وبعد الكرب نصرا.
وفي قوله تعالى:
﴿وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَآءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
أي: اختبار عظيم، فإن البلاء في القرآن يأتي بمعنى الامتحان، سواء كان بالشدائد أو بالنعم؛ ليظهر صدق الإيمان، وصبر المؤمن، وشكره.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).
فالمؤمن يعلم أن وراء كل ابتلاء حكمة، وأن مع كل شدة لطفا من الله.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٥٠﴾.
إنها من أعظم آيات الله في التاريخ؛ فقد انشق البحر بأمر الله، فصار طرقا يابسة، فعبر المؤمنون سالمين، ثم عاد الماء كما كان، فأغرق فرعون وجنده، وانتهت دولة الطغيان في لحظات.
ولم يكن بنو إسرائيل يسمعون عن هذه المعجزة، بل شاهدوها بأعينهم، ورأوا كيف ينتصر الله لأوليائه، ويأخذ الجبارين أخذ عزيز مقتدر.
وفي ذلك تثبيت لقلوب المؤمنين في كل زمان؛ فمهما بلغت قوة الباطل، فإنها لا تصمد أمام قدرة الله إذا جاء أمره.
قال تعالى:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ثم قال عز وجل:
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ٥١﴾.
وهنا يظهر عجب النفس البشرية إذا خلت من مراقبة الله.
فما إن غاب موسى عليه السلام زمنا يسيرا لمناجاة ربه، حتى عبد كثير منهم عجلا صنعه السامري، مع أنهم رأوا قبل أيام معجزات الله العظيمة، وشهدوا هلاك فرعون بأعينهم.
وهذا يدل على أن رؤية الآيات المعجزات لا تكفي للهداية، ما لم يكن القلب حيا، معظما لله، ثابتا على الحق.
كما يدل على أن الانحراف قد يقع بعد أعظم النعم، إذا غاب العلم، وضعف اليقين، واتبع الناس أهواءهم.
وقد ثبت عند الترمذي وغيره ان النبي صلى الله عليه وسلم:
(كان يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: يا نبي الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء).
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدعاء، فكيف بغيره؟
ثم ختم الله هذه النعم بقوله:
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٢﴾.
وهذه من أعجب صور رحمة الله؛ فقد كانت جريمة عبادة العجل من أعظم الجرائم، لأنها شرك بالله بعد قيام الحجة، ومع ذلك فتح الله لهم باب التوبة، وقبل إنابتهم، وعفا عنهم.
وهكذا فإن رحمة الله تسبق غضبه، وباب التوبة لا يغلق في وجه من رجع إليه صادقا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها).
ولو تأمل الإنسان هذه الآيات، لرأى أن أكثر الناس لا يهلكون لقلة النعم، وإنما بسبب نسيانها، وأن كثيرا من القلوب إذا كشف الله عنها الشدة نسيت ربها، وإذا زالت المحنة عادت إلى الغفلة.
ولهذا يكرر القرآن تذكير المؤمنين بنعم الله؛ لأن شكر النعمة يحفظها، والغفلة عنها تمهد لزوالها.
كما تبين لنا هذه الآيات أن الطغاة مهما تجبروا فإن نهاية الظلم إلى زوال، وأن الله لا يخذل أولياءه، وإن تأخر النصر، وأن أعظم أسباب الثبات دوام التوحيد، وكثرة ذكر الله، وسؤاله الثبات حتى الممات.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: تذكر نعم الله عليك دائما، فإن كثرة النعم تستوجب كثرة الشكر.
الثانية: لا تيأس من شدة البلاء، فإن الفرج بيد الله وحده.
الثالثة: احذر الغفلة بعد النعمة، فإنها سبب الانحراف.
الرابعة: لا تغتر بإيمانك، وأكثر من سؤال الله الثبات.
الخامسة: اعلم أن الشرك أعظم الذنوب، ولكن باب التوبة مفتوح لمن رجع إلى الله.
السادسة: ثق بوعد الله، فإن الطغيان إلى زوال مهما طال زمانه.
السابعة: اجعل نعم الله دافعا للطاعة، لا سببا للغفلة.
هذه الآيات تعرض صفحة مشرقة من رحمة الله، وصفحة سوداء من جحود الإنسان؛ فقد أنقذ الله بني إسرائيل من الاستعباد، وشق لهم البحر، وأهلك عدوهم، ثم لما عبدوا العجل لم يعاجلهم بالهلاك، بل فتح لهم باب العفو والتوبة.
وفي ذلك رسالة خالدة لكل مؤمن: أن يتذكر نعم الله، ويثبت على توحيده، ويحذر من الغفلة بعد الفرج، ويعلم أن رحمة الله أعظم من ذنوبه إذا صدقت توبته، وأن الشكر هو الحارس الحقيقي للنعم.
معاني مفردات الآيات
آل فرعون: أتباعه وجنده وقومه.
يسومونكم: يكلفونكم ويذيقونكم.
سوء العذاب: أشده وأقبحه.
يستحيون نساءكم: يتركونهن أحياء للخدمة والاستذلال.
بلاء: اختبار وامتحان.
فرقنا بكم البحر: شققناه حتى صار طرقا يابسة لعبوركم.
واعدنا: حددنا موعدا لمناجاة موسى.
اتخذتم العجل: عبدتم العجل الذي صنعه السامري.
ظالمون: واضعون العبادة في غير موضعها بالشرك بالله.
عفونا عنكم: تجاوزنا عن ذنبكم بعد توبتكم.
لعلكم تشكرون: لكي تشكروا الله على نعمه وعفوه.