النجاة بالإيمان وخطورة نقض العهد
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (20)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٦٣ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ٦٤﴾.
بعد أن ذكر الله ما وقع من بني إسرائيل من تبديل نعمه، وكفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه، قد يتوهم متوهم أن النجاة مرتبطة بالانتساب إلى أمة أو اسم أو نسب، فقطع الله هذا الوهم بقاعدة عظيمة من أعظم قواعد القرآن، وهي أن الميزان عند الله ليس الألقاب، ولا الأنساب، ولا الشعارات، وإنما الإيمان الصادق والعمل الصالح، ثم ذكّر بني إسرائيل بالعهد الذي أخذ عليهم، وكيف نقضوه بعد أن أُلزموا به، ليبين أن شرف الانتساب لا يغني عن صاحبه إذا ضيع أمر الله.
افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢﴾.
هذه الآية ليست دعوة إلى مساواة الأديان بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تبين أن كل أمة في زمان نبيها كانت مأمورة بالإيمان بالله ورسوله الذي أُرسل إليها، فمن آمن منهم إيمانًا صحيحًا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فله أجره عند الله، أما بعد بعثته فقد صار الإيمان به شرطًا للنجاة، لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار).
فلا نجاة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلا باتباعه، ولذلك لم يعلق الله الفلاح على الاسم، بل قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾؛ لأن الإيمان الحق لا ينفك عن العمل الصالح، كما أن العمل لا يقبل إلا إذا بني على الإيمان الصحيح.
ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٦٣﴾.
ذكرهم الله بأعظم مواثيقهم، حين أخذ عليهم العهد أن يعملوا بالتوراة، وأن يتمسكوا بها بجد وعزم، لا بتكاسل وتردد، حتى رفع فوقهم جبل الطور تخويفًا لهم؛ ليعلموا أن أوامر الله ليست مجالًا للهوى والاختيار، وإنما هي عهد وميثاق.
وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ لا يعني قوة البطش، وإنما قوة العزيمة، وصدق الامتثال، والثبات على الطاعة.
وهذه الآية خطاب لكل مسلم؛ فدين الله لا يحمل بالفتور، ولا يحفظ بالمجاملة، وإنما يحمل بعلم، وعزيمة، وصبر، واستقامة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير).
فالقوة المحمودة هي قوة الإيمان، وقوة الإرادة، وقوة الثبات على الحق.
ثم قال جل جلاله:
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ٦٤﴾.
ما أقسى هذا الوصف! فقد شاهدوا الآيات، وأخذوا العهود، ورأوا الجبل مرفوعًا فوقهم، ثم أعرضوا بعد ذلك كله.
ومع هذا لم يعاجلهم الله بالاستئصال، بل أدركتهم رحمته، وأمهلهم، وفتح لهم باب التوبة، لعلهم يرجعون.
وفي هذا أعظم بشارة لكل مذنب؛ فإن كثرة الذنوب لا تغلق باب الرحمة إذا صدقت التوبة، كما أن كثرة النعم لا تنفع صاحبها إذا أصر على الإعراض.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).
تبين لنا هذه الآيات أن الله لا يحابي أحدًا لانتسابه، وأن شرف الأمة إنما يكون بطاعتها، وأن العهود مع الله أعظم من كل العقود مع الناس، وأن التولي بعد معرفة الحق من أعظم أسباب الخسران، وأن رحمة الله أوسع من الذنوب جميعًا لمن رجع إليه منيبًا.
ولو تدبر المسلم هذه الآيات لعلم أن كثيرًا من الناس يطمئن إلى اسمه، أو نسبه، أو بيئته الصالحة، بينما الميزان الحقيقي عند الله هو صدق الإيمان، وصحة الاتباع، وحسن العمل، والثبات على العهد حتى الممات.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: لا يغنيك عن الله اسم، ولا نسب، ولا انتماء، وإنما ينجيك الإيمان الصادق والعمل الصالح.
الثانية: بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله دينًا سوى الإسلام.
الثالثة: تمسك بالقرآن بقوة، علمًا وعملًا ودعوة وصبرًا.
الرابعة: لا تنقض عهدك مع الله بعد أن عرفت الحق.
الخامسة: قوة المؤمن الحقيقية في ثباته على الطاعة.
السادسة: لا تيأس من رحمة الله مهما كثرت ذنوبك إذا صدقت توبتك.
السابعة: أعظم الخسران أن يعرف الإنسان الحق ثم يعرض عنه.
لقد أرست هذه الآيات أصلًا عظيمًا من أصول الدين، وهو أن النجاة لا تبنى على الانتساب، وإنما على الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وأن من عرف الحق لزمه الوفاء بعهد الله، فإن أعرض بعد البيان فقد عرض نفسه للخسران، وإن رجع وأناب وجد ربًا رحيمًا واسع المغفرة، لا يرد من قصده تائبًا صادقًا.
معاني مفردات الآيات
هادوا: اليهود، سموا بذلك لقولهم: إنا هدنا إليك؛ أي تبنا، وقيل نسبة لغير ذلك.
الصابئين: قوم مالوا عن دين إلى دين، وقيل: قوم بقوا على بقايا من دين الأنبياء قبل أن يبدل.
أجرهم: ثوابهم وجزاؤهم.
الميثاق: العهد المؤكد.
الطور: الجبل الذي كلم الله عنده موسى عليه السلام.
خذوا بقوة: بجد وعزم وصدق في الامتثال.
اذكروا ما فيه: احفظوا ما اشتمل عليه من الأوامر والنواهي واعملوا به.
توليتم: أعرضتم ونقضتم العهد.
الخاسرين: الهالكين الذين خسروا دنياهم وآخرتهم.