الجمعة 2 صفر 1448 هـ || الموافق 17 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 9

الهداية بين الوحي والتعنت

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (16)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝٥٣ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ۚ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝٥٤ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ۝٥٥﴾.

بعد أن ذكر الله عفوه عن بني إسرائيل بعد عبادتهم العجل، انتقل إلى تذكيرهم بنعمة أخرى هي من أعظم النعم، وهي نعمة الوحي والكتاب، ثم بين أن كثرة النعم لا تنفع أصحاب القلوب القاسية إذا لم يقابلوها بالإيمان والطاعة.

فمن تأمل هذه الآيات وجد أن الله جمع لهم بين نعمة العلم، ونعمة التوبة، ثم حذرهم من التمادي في التعنت وسوء الأدب مع رب العالمين.

بدأت الآيات بقوله تعالى:
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝٥٣﴾.

امتن الله عليهم بإنزال التوراة على موسى عليه السلام، وجعلها كتاب هداية، يبين لهم الحق من الباطل، والحلال من الحرام، ولذلك سماها: الفرقان؛ لأنها تفرق بين الهدى والضلال.

وأعظم نعمة يمن الله بها على عباده ليست المال ولا القوة ولا السلطان، وإنما هداية الوحي؛ فبها تحيا القلوب، وتستقيم الأخلاق، وتنجو الأمم.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه:
(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين).

فالعلم الشرعي هو النور الذي يهدي الإنسان إلى رضا الله، ومن أعرض عنه عاش في ظلمات الشبهات والشهوات، ولو ملك الدنيا كلها.

ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ۚ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝٥٤﴾.

لقد كانت جريمة عبادة العجل من أعظم صور الشرك بعد قيام الحجة وظهور المعجزات، ولذلك جاءت توبتهم شديدة؛ إذ أمر الله الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوا من عبده، وقيل: الأمر لعبدة العجل في أن يقتل بعضهم بعضا، فامتثلوا أمر الله فقبلت توبتهم، ثم رفع عنهم العقوبة برحمته.

وفي هذا دليل على أن الذنوب العظيمة تحتاج إلى توبة صادقة، وأن التوبة ليست كلمات تقال باللسان، بل هي ندم، وإقلاع، وصدق، واستسلام لأمر الله.

وفي قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.

طمأنينة لكل مذنب؛ فمهما عظم الذنب فإن رحمة الله أعظم، إذا صدقت التوبة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).

فباب التوبة لا يغلق في وجه من رجع إلى الله صادقا، وإنما الهلاك في الإصرار على الذنب، وتأخير التوبة.

ثم قال سبحانه:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ۝٥٥﴾.

ولم يكتف بعض بني إسرائيل بما رأوا من الآيات الباهرات، بل تجاوزوا حدود الأدب مع الله، وطلبوا أن يروا الله عيانا حتى يؤمنوا، فجاءهم العقاب عاجلا، فأخذتهم الصاعقة بسبب تعنتهم وكفرهم.

وهذا يدل على أن سبب الضلال ليس دائما قلة الأدلة، وإنما فساد القلوب، فإن من لم ينتفع بالبينات الواضحات، فلن تنفعه الخوارق والمعجزات.

ولو تأمل الإنسان هذه الآيات لوجد أن الانحراف يبدأ غالبا حين يزهد الناس في نعمة الوحي، ويستبدلون التسليم لله بكثرة الاعتراض والجدل، وأن القلب إذا لم يخضع للحق الواضح، ازداد قسوة حتى يطلب المستحيلات، ويعاند بعد ظهور البينات.

كما تعلمنا هذه الآيات أن العلم نعمة تستوجب العمل، وأن التوبة الصادقة تمحو أعظم الذنوب، وأن حسن الأدب مع الله ورسله أصل من أصول الإيمان، وأن التعنت في طلب الآيات ليس طريقا للهداية، وإنما طريق للهلاك.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: أعظم نعمة بعد الإيمان هي نعمة الوحي والعلم الشرعي.
الثانية: كل معصية هي ظلم للنفس قبل أن تكون مخالفة لأمر الله.
الثالثة: لا تؤخر التوبة، فإن الله يحب التوابين ويقبل من رجع إليه.
الرابعة: احذر التعنت والاعتراض على شرع الله، فإن التسليم من حقيقة الإيمان.
الخامسة: كثرة الأدلة لا تنفع القلب إذا كان معرضا عن الحق.
السادسة: عظم الذنب لا يمنع من قبول التوبة إذا صدقت.
السابعة: حسن الأدب مع الله ورسله من أعظم أسباب الهداية.

إن هذه الآيات تبين أن الله جمع لبني إسرائيل بين نعمة الوحي، ورحمة التوبة، وإقامة الحجة، ومع ذلك قابل كثير منهم تلك النعم بالتعنت والجحود. وفي ذلك تحذير لكل مسلم أن لا يكتفي بمعرفة الحق، بل يعمل به، وأن يبادر إلى التوبة إذا أذنب، وأن يسلم لله ورسوله، فإن السعادة كلها في اتباع الوحي، والشقاء كله في الإعراض عنه.

معاني مفردات الآيات

الكتاب: التوراة.
الفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل.
ظلمتم أنفسكم: أوقعتموها في أعظم الظلم بالشرك.
بارئكم: خالقكم ومبدعكم.
فاقتلوا أنفسكم: ليقتل بعضكم بعضا بأمر الله توبة من عبادة العجل.
التواب: كثير القبول لتوبة عباده.
الرحيم: الواسع الرحمة بعباده.
جهرة: عيانا بأبصارنا.
الصاعقة: نار أو صيحة عظيمة أهلكتهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام