الأربعاء 30 محرم 1448 هـ || الموافق 15 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 15

العلم الذي لا يعمل به: أعظم أسباب الخسران

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (13)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٤٤ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ۝٤٥ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝٤٦﴾.

بعد أن أمر الله بني إسرائيل بالإيمان، وشكر النعمة، والوفاء بالعهد، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، انتقل إلى كشف واحد من أخطر الأمراض التي تصيب أصحاب العلم، وهو أن يدعو الإنسان غيره إلى الخير، بينما يقصر هو في العمل بما يعلم.

فالعلم في الإسلام ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة للعمل، وكلما ازداد العبد علما ازدادت مسؤوليته أمام الله، ولذلك كان العالم العامل ولا زال من أفضل الناس، وكان العالم الذي لا يعمل بعلمه من أشدهم تعرضا للوعيد.

افتتحت الآيات بقوله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٤٤﴾.

إنه استفهام يحمل أعظم معاني التوبيخ.

فقد كان بعض أحبار بني إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله، ويحذرونهم من المعاصي، ثم يخالفون ما يقولون، فوبخهم الله على هذا التناقض.

وليس معنى الآية أن من وقع في معصية يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الواجب عليه أن يجمع بين الأمر بالخير والعمل به، وأن يتوب من تقصيره، فإن ترك الدعوة مع ترك العمل يجمع بين ذنبين.

وإنما المذموم أن يجعل الإنسان نفسه مستثناة من الأحكام التي يدعو إليها الناس.

ولهذا قال سبحانه:
﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.

أي: تعلمون الحق، وتقرؤون الوحي، وتعرفون أوامر الله ونواهيه، فكيف تخالفون ما تعلمون؟

ثم ختم الآية بقوله:

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

أي: أين عقولكم التي تدرك أن أولى الناس بالعمل بما يعلم هو من علمه؟

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:
(يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه).

وهذا من أشد الأحاديث زجرا لكل من جعل العلم وسيلة لوعظ الناس، ونسي إصلاح نفسه.

ثم أرشد الله إلى أعظم ما يعين على الثبات والعمل، فقال:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ۝٤٥﴾.

فلما كشف الله الداء، بين الدواء.

فطريق الاستقامة ليس بالأماني، وإنما بالاستعانة بالله.

وأول وسائلها الصبر؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يثبت على الطاعة، أو يترك المعصية، أو يتحمل أقدار الله، إلا إذا رزقه الله الصبر.

ثم قرن الصبر بالصلاة؛ لأنها أعظم صلة بين العبد وربه، فإذا ضاقت الصدور، واشتدت الكروب، وأظلمت الطرق، كان أقرب باب إلى الفرج هو الوقوف بين يدي الله.

ولهذا (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى)، كما ثبت عند ابي داواد وغيره.

ثم قال تعالى:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.

أي: إن الصلاة ثقيلة على النفوس التي امتلأت بالدنيا، أما القلب الخاشع فإنه يجد فيها راحته، وأنسه، وسكينته.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما ثبت عند النسائي وغيره:

(حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة).

فالمؤمن لا يرى الصلاة عبئا، وإنما يراها راحة، ولا يعدها انقطاعا عن الدنيا، بل اتصالا برب الدنيا والآخرة.

ثم وصف الله أهل الخشوع بقوله:
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝٤٦﴾.

وليس المراد بالظن هنا الشك، وإنما اليقين؛ كما هو معروف في لغة العرب وفي استعمال القرآن.

فهم يعيشون في الدنيا وقلوبهم معلقة بالآخرة، يستحضرون أنهم سيقفون بين يدي الله، وأن كل كلمة، وكل عمل، وكل سر وعلانية، ستعرض عليهم يوم الحساب.

ومن أيقن باللقاء هان عليه الصبر، وخشع في صلاته، وصدق في عبادته، واستقام على أمر ربه.

ولو تأمل الإنسان أحوال الناس في زماننا، لوجد أن كثيرا من المشكلات تبدأ من الانفصال بين العلم والعمل؛ فقد يعرف الإنسان الحق، ويقرؤه، ويدعو إليه، ثم تغلبه شهوته أو دنياه، فيقع فيما كان يحذر غيره منه.

كما أن كثيرا من الناس يشتكون قسوة القلوب، وضعف الثبات، وقلة الخشوع، بينما العلاج الذي دل عليه القرآن واضح بين أيديهم: الصبر، والصلاة، واستحضار الوقوف بين يدي الله.

فإذا اجتمع العلم الصادق، والعمل الصالح، والصبر الجميل، والصلاة الخاشعة، والإيمان بلقاء الله، استقام العبد على الطريق، وثبت حتى يلقى ربه.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: ابدأ بإصلاح نفسك قبل أن تنشغل بإصلاح غيرك.
الثانية: لا تجعل علمك حجة عليك، بل اجعله طريقا إلى العمل.
الثالثة: إذا ضعفت أمام الطاعة فاستعن بالصبر والصلاة.
الرابعة: اعلم أن الخشوع ثمرة اليقين بلقاء الله.
الخامسة: لا تجعل الدعوة إلى الخير بديلا عن العمل به.
السادسة: أكثر من استحضار يوم القيامة، فإنه من أعظم أسباب الاستقامة.
السابعة: اجعل الصلاة ملجأك في الشدائد، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن هذه الآيات تبني شخصية المؤمن الصادق؛ فلا تكتفي بالعلم، بل تطالبه بالعمل، ولا تكتفي بالأمر بالخير، بل تأمره أن يكون أول الممتثلين له، ثم تدله على أعظم وسائل الثبات، وهي الصبر والصلاة، وتغرس في قلبه اليقين بلقاء الله، فمن عاش بهذه المعاني أصبح علمه نورا، وعمله برهانا، وصلاته راحة، وخاتمته فلاحا، وفاز برضا الله في الدنيا والآخرة.

معاني مفردات الآيات

البر: اسم جامع لكل خير وطاعة.
تنسون أنفسكم: تتركون العمل بما تأمرون به.
تتلون الكتاب: تقرؤون كتاب الله وتعلمون أحكامه.
استعينوا: اطلبوا العون من الله.
الصبر: حبس النفس على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره.
كبيرة: شاقة وثقيلة.
الخاشعين: المتذللين لله، الحاضرة قلوبهم في عبادته.
يظنون: يوقنون.
ملاقوا ربهم: واقفون بين يديه للحساب.
راجعون: صائرون إليه يوم القيامة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام