الجمعة 2 صفر 1448 هـ || الموافق 17 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 10

منحة الحياة وفيض النعم

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات في آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (17)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٥٦ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٥٧﴾.

بعد أن ذكر الله تعالى كيف أخذت الصاعقة بني إسرائيل بسبب تعنتهم وطلبهم رؤية الله جهرة، لم يكن ذلك نهاية قصتهم، بل أعقب العقوبة رحمة، وبعد الموت حياة، ثم أتبع ذلك بنعم متتابعة؛ ليعلموا أن رحمة الله أوسع من ذنوب عباده، وأن نعمه لا تنقطع عنهم رغم كثرة تقصيرهم.

وهذا من أعجب ما يقرره القرآن؛ إذ يجتمع في هذه الآيات الترهيب والترغيب، والعدل والرحمة، والعقوبة والإحسان.

بدأت الآيات بقوله تعالى:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٥٦﴾.

لقد أماتهم الله بالصاعقة عقوبة على تعنتهم، ثم أحياهم بعد موتهم؛ ليكون ذلك آية ظاهرة على كمال قدرته، وليدركوا أن الذي يحيي بعد الموت هو وحده المستحق للعبادة.

وكان الواجب بعد هذه المعجزة العظيمة أن يمتلئوا شكرا وخضوعا، ولذلك قال سبحانه:
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

فالشكر هو الغاية من النعم، ومن لم يشكر الله بعد رؤية آياته، فما الذي يوقظ قلبه؟

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها).

فإذا كان الحمد على لقمة طعام سببا لرضا الله، فكيف بمن أحياه الله بعد موته، أو أنقذه من هلاك محقق؟

ثم قال سبحانه:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٥٧﴾.

ولما خرج بنو إسرائيل إلى أرض التيه، حيث لا زرع ولا ماء ولا مساكن، لم يتركهم الله للجوع والهلاك، بل أظلهم بالسحاب من حر الشمس، وأنزل عليهم المن، وهو رزق حلو طيب، وأنزل السلوى، وهو طائر لذيذ يأكلونه، فجاءهم الطعام والظل بغير كد ولا تعب.

وهذا يعلم المؤمن أن الرزق بيد الله وحده، وأن من توكل عليه كفاه، ومن أحسن الظن بربه لم يخيبه.

ومع كثرة هذه النعم، لم يحسن كثير منهم شكرها، بل قابلوها بالملل والاعتراض، حتى قالوا بعد ذلك: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.

وهكذا إذا امتلأ القلب بالغفلة، لم تشبعه النعم، بل يظل يطلب غيرها، ولا يرى فضل الله عليه.

ثم قال سبحانه:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

وهذه قاعدة عظيمة في القرآن؛ فالله سبحانه لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، وإنما يعود أثر الأعمال على أصحابها.

فالذنوب لا تنقص من ملك الله شيئا، ولكنها تحرم العبد بركة الطاعة، وسكينة القلب، وتعرضه لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه كما في صحيح مسلم:
(يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني).

ولو تأمل المسلم هذه الآيات لعلم أن نعم الله تتتابع على العبد أكثر مما يشعر، وأن كثيرا من الناس لا يفقدون النعم بسبب قلتها، وإنما بسبب اعتيادها، حتى تصبح في نظرهم أمورا عادية لا تستحق الشكر.

كما تبين هذه الآيات أن الله قد يجمع للعبد بين البلاء والنعمة؛ فيبتليه ليوقظه، ثم يكرمه ليشكره، وأن العاقل هو الذي يرى يد الله في الحالين جميعا.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: تذكر أن الحياة نفسها أعظم نعمة تستوجب دوام الشكر.
الثانية: اشكر الله على النعم الصغيرة قبل الكبيرة، فإن الشكر سبب لدوامها.
الثالثة: لا تظن أن الرزق متعلق بالأسباب وحدها، بل هو بيد الله أولا وآخرا.
الرابعة: كثرة النعم لا تغني عن صاحب القلب الغافل.
الخامسة: كل معصية يعود ضررها على صاحبها، ولا تضر الله شيئا.
السادسة: أحسن الظن بربك، فإن رحمته تسبق غضبه، وإحسانه أعظم من تقصير عباده.
السابعة: اجعل كل نعمة تقربك من الله، ولا تجعلها سببا للغفلة عنه.

إن هذه الآيات تعرض مشهدا عظيما من مشاهد رحمة الله؛ فقد أحيا بني إسرائيل بعد موتهم، وأكرمهم في أرض قاحلة بالظل والطعام، ثم بين أن جحودهم لم ينقص من ملكه شيئا، وإنما عاد وباله عليهم.

وفي ذلك رسالة خالدة لكل مؤمن: أن يعرف قدر نعم الله، ويكثر من شكره، ويوقن أن الله غني عن خلقه، وأن السعيد من قابل الإحسان بالطاعة، ولم يقابل النعمة بالجحود.

معاني مفردات الآيات

بعثناكم: أحييناكم بعد موتكم.
الغمام: السحاب الأبيض الذي يظل من الحر.
المن: رزق حلو أنزله الله عليهم.
السلوى: طائر يشبه السمان.
طيبات: ما كان حلالا طيبا نافعا.
وما ظلمونا: لم ينقصوا من ملك الله شيئا بمعاصيهم.
يظلمون: يضرون أنفسهم بالمعاصي ويعرضونها للعقوبة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام