الأربعاء 28 صفر 1448 هـ || الموافق 12 غشت 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 82

آيات التوحيد، ومحبة الله، وحسرة المشركين

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (54)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝١٦٤ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ۝١٦٥ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ۝١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ۝١٦٧﴾.

بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة أن الإله واحد لا شريك له، وأنه سبحانه الرحمن الرحيم، أقام هنا من أعظم البراهين على توحيده وقدرته: السماوات والأرض، والليل والنهار، والبحار والسفن، والمطر وإحياء الأرض، والدواب والرياح والسحاب، ثم بيّن أن هذه الآيات لا ينتفع بها إلا من عقل وتدبر.

ثم انتقل من آيات الكون إلى آيات القلوب، فذكر من يجعل لله أندادًا يحبهم كحب الله، ثم بيّن أن المؤمنين أشد حبًا لله، وكشف عن نهاية التعلق بغير الله؛ إذ يتبرأ المتبوعون من أتباعهم، وتنقطع الأسباب، ولا يبقى إلا الندم والحسرة.

قال سبحانه:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

أي إن في خلق السماوات والأرض وما فيهما من العظمة والإحكام والإتقان دلائل واضحة على قدرة الله ووحدانيته وحكمته.

فالسماوات في علوها واتساعها وانتظامها، والأرض في ثباتها وما أودع الله فيها، كلها آيات تدل على أن لها خالقًا واحدًا سبحانه.

قال تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۝٣٥ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾.

ثم قال:
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.

أي تعاقبهما وتفاوت أحوالهما في الطول والقصر والظلمة والضياء، وفي ذلك منافع عظيمة للخلق؛ فالليل للسكون والراحة، والنهار للسعي والعمل.

قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝١٠ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ۝١١﴾.

فهذا التعاقب الدقيق ليس أمرًا عشوائيًا، وإنما هو من تدبير الله وتسخيره.

ثم قال سبحانه:
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.

أي السفن التي تجري في البحار وتحمل الناس والأمتعة والبضائع، فتتحقق بها مصالح عظيمة للخلق.

ثم قال:
﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

فالأرض تكون يابسة لا نبات فيها، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.

وفي هذا أعظم دليل على قدرة الله على إحياء الموتى؛ فالذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الخلق بعد موتهم.

قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

ثم قال:
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.

أي نشر في الأرض أنواع المخلوقات، واختلفت صورها وأجناسها ومنافعها، وكل ذلك من آثار قدرة الله وحكمته.

ثم قال:
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾.

أي تقليبها واختلافها في جهاتها وأحوالها، فمنها ما يأتي بالمطر، ومنها ما يسوق السحاب، ومنها ما ينفع الناس في معاشهم.

ثم قال:
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.

أي السحاب الذي جعله الله مسخرًا بأمره، يحمله حيث يشاء، وينزل منه الماء حيث يشاء.

ثم ختم الله هذه الآيات بقوله:
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

أي إن هذه المخلوقات والسنن الكونية أدلة عظيمة لمن يستعمل عقله في التفكر والاعتبار.

فالآيات حول الإنسان في كل لحظة، ولكن الانتفاع بها يحتاج إلى عقل يتدبر، وقلب يعتبر، ونفس تقودها هذه الدلائل إلى تعظيم الخالق وتوحيده.

ثم قال سبحانه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾.

بعد أن ذكر الله هذه الآيات العظيمة الدالة على وحدانيته، ذكر حال من لم ينتفع بها، فجعل لله أندادًا وشركاء.

والند هو النظير والمثيل، والمعنى أنهم يجعلون لغير الله شيئًا من الخصائص التي لا تكون إلا له.

ثم قال:
﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾.

أي يحبون أندادهم ويعظمونهم محبة تنافس محبة الله أو تزاحمها، وهذه من أعظم صور الانحراف؛ لأن القلب خلق ليكون الله سبحانه أعظم محبوب فيه.

ثم قال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.

أي أن المؤمنين أعظم محبة لله من محبة أهل الشرك لأندادهم؛ لأن محبتهم لله مبنية على التوحيد واليقين والمعرفة.

فالمؤمن يحب الله فوق كل شيء، ويقدم أمره على هواه، ورضاه على رضا الناس، وطاعته على رغبات النفس.

وفي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يلقى في النار).

فمحبة الله ليست دعوى، وإنما تظهر عند الاختبار؛ فإذا تعارضت شهوة النفس مع أمر الله، قدم المؤمن أمر الله، وإذا تعارض رضا الناس مع رضا الله، قدم رضا الله.

ثم قال سبحانه:
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾.

أي لو يرى هؤلاء الظالمون يوم القيامة حين يشاهدون العذاب أن القوة كلها لله، وأن ما كانوا يتعلقون به من أنداد ومتبوَعين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئًا.

فكل قوة في الدنيا محدودة، وكل سلطان زائل، وكل من تعلق بغير الله ينكشف له يوم القيامة أنه لم يكن يملك له نفعًا ولا ضرًا.

ثم قال:
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.

أي حين يتبرأ المتبوعون الذين اتبعهم الناس في الباطل من أتباعهم، ويتخلون عنهم، ويتنصلون من مسؤوليتهم.

قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ۝٦٧ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ۝٦٨﴾.

ثم قال:
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.

أي انقطعت كل الروابط والوسائل التي كانوا يعتمدون عليها، فلا تنفعهم قرابة ولا صداقة ولا جاه ولا جماعة ولا متبوع.

قال تعالى:
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.

فكل إنسان سيقف بين يدي الله وحده، ولا يحمل عنه أحد ذنبه.

ثم قال سبحانه:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾.

أي يتمنى الأتباع الرجوع إلى الدنيا مرة أخرى حتى يتبرؤوا من الذين أضلوهم، ولكن ذلك الرجوع مستحيل.

ففي الدنيا كان يمكنهم أن يتوبوا ويتركوا الباطل، أما بعد الموت فقد انتهى زمن العمل وبدأ زمن الجزاء.

قال تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝٩٩ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.

ثم قال سبحانه:
﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾.

أي يريهم الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فإذا بها سبب ندامتهم وحسرتهم؛ لأنهم يرون الحقائق التي غفلوا عنها، ويعلمون أن ما ضيعوه لا يمكن استدراكه.

فتتحول أعمار ضاعت في الباطل إلى حسرات، وأوقات لم تستثمر في الخير إلى حسرات، واتباع أهل الضلال إلى حسرات، وإعراض عن الحق إلى حسرات.

وهنا يتبين عظم نعمة الله على من أعطاه فرصة في الدنيا ليتوب ويصلح ويعود إلى ربه.

ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.

أي أن الذين ماتوا على الكفر والشرك لا يخرجون من النار، فهناك تنتهي كل الآمال، ولا يبقى إلا الجزاء.

ولهذا فإن أعظم ما ينبغي للعبد أن يحافظ عليه في الدنيا هو توحيده وإيمانه، وأن لا يؤخر التوبة والعمل الصالح؛ لأن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: الكون كله مليء بآيات الله، والمؤمن يتفكر فيها ليزداد إيمانًا وتعظيمًا لخالقه.
الثانية: أعظم ما ينبغي أن يمتلئ به القلب هو محبة الله، والمؤمنون ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
الثالثة: حقيقة محبة الله تظهر عند تعارض أمره مع هوى النفس أو رغبة الناس؛ فمن أحب الله قدم طاعته.
الرابعة: احذر أن تتعلق بمخلوق تعلقًا يصرفك عن الله أو يجعلك تتبعه في الباطل؛ فإن المتبوعين والأتباع سيتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة.
الخامسة: لا تنفع يوم القيامة الأسباب التي اعتمد عليها الإنسان من جاه أو مال أو جماعة أو تقليد، وإنما ينفع الإيمان والعمل الصالح.
السادسة: أعظم الحسرة أن يؤخر الإنسان التوبة والعمل حتى ينتهي زمن الاختبار؛ فبادر ما دمت في زمن المهلة.
السابعة: من أعظم ما يحفظ القلب أن يملأ وقته بالقرآن والطاعة ومراجعة ما حفظه؛ فالعمر يمضي، وما يبقى للعبد هو ما قدمه بين يدي الله.

وهكذا تجمع هذه الآيات بين النظر في آيات الله بعين العقل، وتعظيمه ومحبتِه بالقلب، وإفراده بالطاعة والعمل، والحذر من أن يصدنا تعلقنا بالخلق أو بالدنيا عن الحق؛ فالدنيا دار مهلة وعمل، والآخرة دار حساب وحسرة، والسعيد من عمر مهلة الدنيا بالقرآن والطاعة، وثبت على توحيده ومحبة ربه، حتى يلقى الله بقلب سليم وعمل صالح.

معاني مفردات الآيات

اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما وتفاوت أحوالهما في الطول والقصر والظلمة والضياء.
الفلك: السفن التي تجري في البحار.
أحيا به الأرض: أنبت فيها النبات بعد يبسها.
بث فيها: نشر فيها.
تصريف الرياح: اختلافها وتقليبها في جهاتها وأحوالها.
السحاب المسخر: السحاب الذي يجري بأمر الله حيث يشاء.
يعقلون: يتفكرون ويتدبرون ويعتبرون.
أندادًا: أمثالًا ونظراء يجعلونهم مع الله في شيء من حقوقه.
أشد حبًّا لله: أعظم محبة لله وأثبتها وأخلصها.
تبرأ: تنصل وتخلى وأنكر الصلة.
الأسباب: الروابط والوسائل التي كانوا يعتمدون عليها.
كرة: رجعة إلى الدنيا.
حسرات: ندامات شديدة على ما فات ولا يمكن استدراكه.
وما هم بخارجين من النار: لا يخرجون منها، بل يمكثون فيها بسبب كفرهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام