الأحد 25 صفر 1448 هـ || الموافق 9 غشت 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 11

أعظم الخسران: الكفر والموت عليه، وأعظم الحق: توحيد الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (53)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝١٦١ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝١٦٢ وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ۝١٦٣﴾.

بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة قصة الصفا والمروة، وبين أنهما من شعائر الله، ثم حذر من كتمان ما أنزل من البينات والهدى، وفتح باب التوبة لمن رجع عن كتمانه وأصلح ما أفسد وبيّن للناس الحق الذي أخفاه، بيّن هنا عاقبة من أصر على الكتمان والكفر حتى أدركه الموت، وأنه مستحق للعن الله والملائكة والناس أجمعين، ثم ختم هذه الآيات بأعظم حقيقة في الوجود، وهي توحيد الله سبحانه، فقال: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾، فبعد أن ذكر حال من أعرض عن الحق ومات على الكفر، أعلن الأصل الذي قامت عليه دعوة جميع الرسل: أنه لا معبود بحق إلا الله، وأنه سبحانه متصف بالرحمة الواسعة.

قال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾.

أي إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله، وردوا آياته، ثم استمروا على كفرهم حتى ماتوا، فقد انقطعت عنهم أسباب النجاة؛ لأن الاعتبار بالخاتمة، ومن لقي الله على الكفر فقد لقيه بأعظم ذنب لا يغفره الله لمن مات عليه.

قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.

فالكفر ليس مخالفة في الرأي، وإنما جريمة في حق الله تعالى؛ لأنه رفض للحق الذي خلق الله الخلق من أجله، وجحود لربوبيته وألوهيته، ورد لما جاءت به الرسل.

ولهذا كان من أعظم ما ينبغي للمؤمن أن يحذر منه أن يلقى الله تعالى وهو غير موحد له.

ثم قال سبحانه:
﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.

أي أولئك الذين ماتوا على الكفر مستحقون للطرد والإبعاد من رحمة الله، ولعن الملائكة، ولعن المؤمنين من الناس.

ولعنة الله أعظم لعنة؛ لأنها تعني الحرمان من رحمته وفضله، ومن حرم رحمة الله فقد حرم كل خير.

وقد قال تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.

وهذا يبين شناعة حال من مات على الكفر؛ فهو لا يفقد النجاة فحسب، بل يستحق اللعنة والطرد من الرحمة.

وفي هذا تحذير شديد من التساهل في أمر الإيمان والكفر، ومن الاغترار بطول الأمل؛ فإن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، وإنما العبرة بأن يختم له بالإيمان والتوحيد.

ثم قال سبحانه:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

أي خالدين في هذه اللعنة والعذاب، لا يخرجون منه، ولا تنتهي معاناتهم بانتهاء مدة محدودة.

والخلود هنا خلود أبدي؛ لأن الآيات تتحدث عن الذين ماتوا وهم كفار، ولم يتوبوا قبل موتهم.

وهذا من أشد ما يبعث الخوف في القلب؛ فإن عذاب الدنيا مهما اشتد له نهاية، أما عذاب الآخرة للكافر الذي مات على كفره فليس له نهاية.

قال سبحانه:
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾.

أي لا ينقص عنهم العذاب، ولا تهدأ شدته، ولا تمر عليهم فترة يستريحون فيها منه.

قال تعالى:
﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.

فلا راحة هناك لمن مات على الكفر، ولا انقطاع للعذاب، ولا فترة يستعيد فيها الإنسان قوته.

ثم قال سبحانه:
﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾.

أي لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب، ولا يعطون فرصة للرجوع إلى الدنيا حتى يعملوا صالحا.

وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.

ولكن زمن العمل قد انتهى، وزمن الاختبار قد انقضى، ولم يبق إلا الجزاء.

وفي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار).

وهذا يبين خطورة الإعراض عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد بلوغها؛ فهو خاتم الرسل، ورسالته عامة للناس جميعا.

ثم بعد أن ذكر الله تعالى وعيد الكافرين، انتقل إلى أعظم حقيقة ينبغي أن يستقر عليها القلب، فقال:
﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾.

أي معبودكم المستحق للعبادة إله واحد، لا شريك له، ولا ند له، ولا مثيل له.

وهذه الجملة من أعظم أصول القرآن، فهي تلخص دعوة الأنبياء جميعا.

قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.

فأصل الدين الذي اتفقت عليه الرسل هو توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.

وقوله:
﴿إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾

ليس معناه أن الله واحد في العدد فقط، بل معناه أنه سبحانه واحد في ألوهيته، لا يستحق العبادة غيره، فلا صلاة إلا له، ولا ذبح إلا له، ولا نذر إلا له، ولا توكل إلا عليه.

ولهذا قال بعدها مباشرة:
﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾.

فنفى استحقاق العبادة عما سوى الله، وأثبتها لله وحده.

وهذه هي كلمة التوحيد التي قامت عليها السماوات والأرض، وبها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجن والإنس.

قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

وفي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة).

فليست كلمة التوحيد لفظا يقال باللسان، وإنما هي علم واعتقاد وقبول وانقياد وعبادة لله وحده.

ثم ختم الله الآية باسمين عظيمين من أسمائه الحسنى:
﴿الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾.

وهنا يظهر جمال المناسبة؛ فبعد أن ذكر الله شدة الوعيد للكافرين، ذكر رحمته الواسعة؛ ليعلم العبد أن الذي يدعوه إلى التوحيد والعبادة ليس إلها ظالما، وإنما هو الرحمن الرحيم.

﴿الرَّحْمَٰنُ﴾: ذو الرحمة الواسعة التي وسعت الخلق جميعا.

﴿الرَّحِيمُ﴾: ذو الرحمة الواصلة إلى عباده، ولا سيما رحمته الخاصة بالمؤمنين.

قال تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.

فالله سبحانه جمع في هذه الآية بين أعظم الوعيد وأعظم الرجاء: حذر من الكفر والموت عليه، ثم فتح باب التوحيد، وذكر نفسه باسم الرحمن الرحيم.

وهذا من منهج القرآن في تربية القلوب؛ فلا يجعل العبد آمنا من مكر الله، ولا يائسا من رحمته، بل يسير إلى الله بين الخوف والرجاء.

إن هذه الآيات ترسم مشهدا عظيما: نهاية من رفض الحق حتى مات عليه، ثم تعلن في المقابل أصل النجاة كلها: توحيد الله.

فالمشكلة الكبرى ليست أن يفقد الإنسان شيئا من الدنيا، وإنما أن يفقد التوحيد، وأن يلقى الله وليس في قلبه إيمان به.

ومن تأمل ترتيب الآيات وجد أن القرآن ينتقل من أعظم الخسران إلى أعظم الحقيقة: ﴿كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، ثم ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾؛ فكأن الآيات تقول للعبد: إن طريق النجاة من ذلك المصير هو أن تعرف ربك، وتوحده، وتعبده وحده، وتثبت على ذلك حتى تلقاه.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: أخطر ما يخسره الإنسان أن يموت على الكفر؛ فالعبرة ليست بما كان عليه الإنسان في بعض مراحل حياته، وإنما بما يختم له به.
الثانية: الإيمان بالله ليس أمرا ثانويا في حياة المسلم، بل هو أصل النجاة، وكل ما عداه تابع له.
الثالثة: التوحيد هو دعوة جميع الأنبياء، وهو أعظم حق لله على عباده.
الرابعة: قول ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ليس كلمة باللسان فحسب، بل معناها إفراد الله بالعبادة، ونفي استحقاق العبادة عما سواه.
الخامسة: من رحمة الله بعباده أنه حذرهم من طريق الهلاك قبل أن يلقوه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، وأقام عليهم الحجة.
السادسة: ذكر ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد ذكر الوعيد يربي القلب على الجمع بين الخوف والرجاء؛ فلا يغتر العبد بعمله، ولا يقنط من رحمة ربه.
السابعة: أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم أن يحفظ توحيده من الشرك والبدع والمعاصي، وأن يسأل الله الثبات حتى الممات

تضع هذه الآيات المسلم أمام أعظم حقيقة في حياته، وهي: أن النجاة تبدأ بتوحيد الله، وتستمر بالثبات عليه حتى الممات؛ فلا يغتر بإيمانه، ولا يأمن من الفتنة، ولا ييأس من رحمة ربه، بل يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، ويحفظ توحيده، ويجدد توبته، ويسأل ربه أن يختم له بالإيمان؛ فإن العبرة بالخواتيم، وأعظم الفوز أن يلقى العبد ربه موحدًا ثابتًا على طاعته.

معاني مفردات الآيات

كفروا: جحدوا الحق ولم يؤمنوا بالله ورسله.
ماتوا وهم كفار: استمروا على الكفر حتى أدركهم الموت.
لعنة الله: إبعاد الله لهم عن رحمته.
والملائكة والناس أجمعين: دعاء الملائكة والمؤمنين عليهم باللعنة، واستحقاقهم لها بسبب كفرهم.
خالدين فيها: ماكثين في اللعنة والعذاب مكثا لا انقطاع له.
لا يخفف عنهم العذاب: لا ينقص عنهم ولا تهدأ شدته.
ولا هم ينظرون: لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب.
وإلهكم: معبودكم المستحق للعبادة.
إله واحد: معبود واحد لا شريك له.
لا إله إلا هو: لا معبود بحق إلا الله.
الرحمن: صاحب الرحمة الواسعة الشاملة.
الرحيم: الذي يرحم عباده رحمة خاصة، ومن أعظمها رحمته بالمؤمنين في الدنيا والآخرة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام