الأحد 11 صفر 1448 هـ || الموافق 26 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 13

اتباع الحق وحده هو طريق النجاة

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (39)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿**وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝١٢٠ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۝١٢١﴾.

تأتي هذه الآيات لتقرر حقيقة عظيمة يحتاج إليها كل مسلم في كل زمان، وهي أن رضا الناس جميعًا لا يمكن أن ينال إذا كان على حساب الحق، وأن الهداية ليست فيما يرضي الخلق، وإنما فيما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

افتتح الله الآية بقوله:
﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

أي لن يرضى عنك أهل الكتاب رضا تامًا ما دمت متمسكًا بالإسلام، حتى تترك ما أنت عليه وتتبع دينهم، وهذا إخبار من الله عن طبيعة الصراع بين الحق والباطل، وليس معناه ذم كل فرد منهم، وإنما بيان أن أهل الأهواء لا يرضيهم إلا موافقة أهوائهم.

وفي ذلك تحذير للأمة من طلب رضا الناس بمعصية الله، فإن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس).

ثم قال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ﴾.

أي إن الهداية الحقة ليست فيما يقترحه الناس، ولا فيما تمليه الأهواء، وإنما فيما أوحاه الله، فكل طريق خالف الوحي فهو ضلال، وإن زخرفه أصحابه وزينوه بالأسماء والشعارات.

ثم قال:
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.

وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته أيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من اتباع أهوائهم، لكن المقصود تعظيم شأن العلم، وأن من ترك الوحي واتبع الهوى استحق الخذلان، فلا يجد وليًا يحميه، ولا نصيرًا يدفع عنه عذاب الله.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله).

ثم انتقلت الآيات إلى الثناء على أهل الإيمان الصادق من أهل الكتاب، فقال سبحانه:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.

أي يقرؤون كتاب الله قراءة تدبر وعمل واتباع، فيؤمنون بما فيه، ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم حين يجدون صفته في كتبهم، فلم تمنعهم العصبية ولا الهوى من قبول الحق.

وحق التلاوة ليس تحسين الصوت فحسب، بل يشمل:

صحة القراءة، وفهم المعاني، والعمل بالأوامر، واجتناب النواهي، والدعوة إلى القرآن.

ثم قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

أي من كفر بالقرآن، أو جحد شيئًا مما جاء به، فقد خسر أعظم الخسارة؛ لأنه خسر الهداية في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وليس بعد خسارة الجنة وربح النار خسارة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين).

فالقرآن هو ميزان الرفعة والخفض، والعز والذل، والسعادة والشقاء، بحسب موقف العبد منه.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: لا تجعل رضا الناس غايتك، فإن الغاية العظمى هي رضا الله والثبات على الحق.
الثانية: الهداية لا تعرف بكثرة الأتباع ولا بشهرة الأقوال، وإنما تعرف بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثالثة: أخطر ما يفسد الدين اتباع الهوى بعد ظهور العلم.
الرابعة: حق تلاوة القرآن يشمل القراءة والتدبر والعمل والدعوة، وليس خاصا بتحريك اللسان وتحسين التلاوة.
الخامسة: كلما ازداد العبد تعظيمًا للقرآن ازداد رفعة عند الله.
السادسة: الخاسر الحقيقي هو من أعرض عن القرآن بعد أن بلغه، ولو ملك الدنيا بأسرها.
السابعة: المؤمن الصادق يقبل الحق ممن جاء به، ولا تمنعه العصبية ولا التقليد من اتباع الهدى.

إن هذه الآيات تربي القلب على الاستقلال بالإيمان، فلا يبيع المسلم دينه طلبًا لرضا أحد، وتغرس فيه أن أعظم نعمة هي هدى الله، وأن القرآن ليس كتابًا للتلاوة فحسب، بل كتاب حياة وعمل، فمن تلاه حق تلاوته أورثه الله الإيمان، وشرح صدره للحق، وثبته على الصراط المستقيم، أما من أعرض عنه واتبع الهوى، فقد اختار لنفسه الخسارة.

معاني مفردات الآيات

ملتهم: دينهم وطريقتهم.
هدى الله: دينه ووحيه الذي أنزله على رسله.
أهواءهم: ما تميل إليه نفوسهم بغير دليل من الله.
ولي: حافظ ومتولٍّ لأمرك.
نصير: معين يدفع عنك العذاب.
حق تلاوته: قراءته مع الإيمان به، وفهمه، والعمل بما فيه.
الخاسرون: الذين خسروا أنفسهم وحظهم من رحمة الله.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام