الخميس 20 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 7 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 7091

حســــــن الظــــــــــن بين المسلمين من روابط الإخاء وإن اختلفوا

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (30)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


حسن الظن يعني: حمل الناس على أحسن المحامل بحيث يطرح الشخص التهمة والشك وإن كانت محتملة ، ويأتي بالظن الحسن ، وفي مثل هذا المقام قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"([1]).
ولازالت أمةُ الإسلام أمةَ الخير والصلاح ما حسُن ظَنُّ أبنائها بإخوانهم المسلمين، إذ حسن الظن طريقة الإسلام وشريعته التي دعا الخليقة للاعتصام بها والسير بسيرها لتكون رابطةً حيةً في المجتمعات الإسلامية.
ولا تعد المجتمعات نقيةً زكيةً خاليةً من الشوائب والمنغصات، وسوءُ الظن مُجَمْهِرٌ في نفوس الأبناء والآباء حتى يحسن ويرتفع شؤمه ودرنه ، لأنه الداء العضال الذي حذر منه الشرع المطهر ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)}([2]) ، " أي لا تظنوا بأهل الخير سوءاً إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير "([3]).
" فمَنْ يَحكم بشرٍ على غيره بالظن ، بعثه الشيطان على أن يطوِّل فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ، ويرى نفسه خيراً منه ، وكل ذلك من المهلكات، ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم"([4]).
فالواجب على المسلم إحسان الظن بغيره حتى لا يقع في أعراضهم، وإساءة الظن بنفسه حتى لا يغتر بصالح عمله ، ولذا يجب أن "يرى نفسه دون إخوانه، ويحسن الظن بهم، ويسيء الظن بنفسه ، فإذا رآهم خيراً من نفسه فعند ذلك يكون هو خيراً منهم "([5]).
قال أبو معاوية الأسود([6]) : "إخواني كلهم خير مني ، قيل : وكيف ذلك؟ ، قال: كلهم يرى لي الفضل عليه ، ومَنْ فَضَّلنى على نفسه فهو خير مني "([7]).
وقال الخليل بن أحمد ([8]): " أربع تُعرف بهن الأخوة: الصفح قبل الانتقاد له، وتقديم حسن الظن قبل التهمة ، وبذل الود قبل المسألة، ومخرج العذر قبل العيب" ([9]).
وقيل " أخوك الذي يعطيك قبل سؤاله ويصفح عند الذنب قبل التعتب ، ويقدم حُسْنَ الظن قبل اتهامه ويقبل عذر المرء عند جهالته " ([10]) .
ومما لا يخفى أن حسن الظن طاعة ، والطاعة دليل على حسن العمل ، فصلاح العمل بحسن الظن بالله ثم الخلق ، وفساده بسوء الظن ، ومن هنا كان التفاوت في الأعمال بين المؤمنين والمنافقين.
قال الحسن البصري : " إنَّ المؤمنَ أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإنَّ المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل " ([11]).
وقد عُدَّ سوء الظن بالخلق أشدَّ الكذب وأغلظه ، كما أخبر بذلك الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولما كان سوء الظن داء عضالاً ، كان علاجه حسن الظن بالمجتمعات أفرادٍ وجماعات حتى يقوم فارض التهمة.
ولذا علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إحسان الظن بالغير من خلال توجيهاته ونصائحه، والتماس الأعذار تلو الأعذار حتى لا يقعوا في أعراض غيرهم دون بينةٍ ، رجماً بالغيب وتعجلاً في إنزال الأحكام المختلفة التي تعم بها البلوى على الغير من غير تحرزٍ أو رويّةٍ ، وعلى هذه الجادة جرى فعل السلف.
يُرى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : "لا تظن بكلمةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِيِّ مسلمٍ شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً " ([12]) ، وكما قيل:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحباً *** لعلَّ له عذرًا وأنت تلومُ

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

____________________
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب النكاح ، باب لا يخطب من خطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع ، (5/ 1976رقم 4849) ، ومسلم في صحيحه ( كتاب البر والصلة والآداب ، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها (4/ 1985رقم 2563)] من حديث أبي هريرة .
([2]) سورة الحجرات ، الآية رقم (12).
([3]) الجامع لأحكام القرآن الكريم للقرطبي (16/ 331).
([4]) فيض القدير شرح الجامع الصغير (3/ 122).
([5]) إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 190).
([6]) ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء (8/ 271) ولم يذكر له ترجمة وافية سوى أقوال وحوادث له تدل على صلاحه وزهده ، ومن ذلك ما نقلناه عنه أعلاه ، ولم أقف له على ترجمةٍ في مصادر أخرى.
([7]) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (8/ 272).
([8]) القاضي الشاعر الورع أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السجزي ، حدث عن ابن صاعد ومحمد بن حمدان بن خالد وغيرهما جليل مكثر ، روى عنه ابنه القاضي أبو سعد وأبو عمر النوقاني وعبد الرحمن الطبري الحافظ وغيرهم ، سكن سجستان ثم انتقل إلى بلخ وسكنها وسمع الكبار في البلدان [ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (17/ 31ـ34)] وكذا [الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى لابن ماكولا (3/ 174) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1411هـ]، وهو غير الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض فهو متأخر وطبقة أبي سعيد متقدمة ومن تلاميذه محمد بن أبي الرجاء، وقد روى عنه ما سقناه من الأثر.
([9]) جزء ابن عمشليق لأحمد بن علي بن محمد الجعفري (ص50) ، تحقيق خالد بن محمد بن علي الأنصاري ، دار ابن حزم - بيروت ، الطبعة الأولى ، 1416هـ.
([10]) المصدر السابق (نفس الموضع).
([11]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ، كتاب الزهد ، كلام الحسن البصري [(7/ 187 رقم 35191)].
([12]) مداراة الناس لابن أبي الدنيا (ص50) ، تحقيق محمد خير رمضان يوسف ، دار ابن حزم ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1418هـ - 1998م.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام