الأخلاق الرديئة وعلاماتها
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (40)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الخلق السئ: هو سوء الأدب والرذيلة اللذان يُنْتِجان الأقوالَ والأفعالَ القبيحة المخالفة للشرع والفطرة.
فـ " الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة ، والمهلكات الدامغة ، والمخازي الفاضحة ، والرذائل الواضحة ، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين ، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان ،وجوار الرحمن ، والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب ، وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد"([1]).
" ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان : الجهل والظلم والشهوة والغضب ، فالجهل يُريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصاً والنقص كمالاً ، والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه فيغضب في موضع الرضى ، ويرضى في موضع الغضب ، ويجهل في موضع الأناة ، ويبخل في موضع البذل ، ويبذل في موضع البخل ، ويحجم في موضع الإقدام ، ويُقْدِم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة ، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع ، والشهوة : تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنَّهْمَة ([2]) والجشع والذل والدناءات كلها، والغضب يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه ، ويتركب من بين كل خُلُقين من هذه الأخلاق : أخلاق مذمومة ، وملاك هذه الأربعة أصلان : إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة ، فيتولَّد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخِسَّة ([3]) واللؤم والذل والحرص والشح ، وسفساف الأمور والأخلاق ، ويتولد من إفراطها في القوة : الظلم والغضب والحِدَّة والفحش والطيش ... فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضاً ، كما أن الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضاً " ([4]).
ومن الأخلاق السيئة ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنييء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء ، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء " ([5]).
فالزوجة السوء والجار السوء نسبةً إلى أعمالهم السيئة المنافية للشرع والفطرة ومن ذلك سوء الخلق.
قال وهب بن منبه : "مَثَلُ السيء الخُلُق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تُعَاد طِيْنًا" ([6]).
وقال الفضيل : "لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبُّ إلي من أن يصحبني عابد سيي الخلق" ([7]).
وعن الحسن البصري رحمه الله قال: "من كثر ماله كثرت ذنوبه، ومن كثر كلامه كثر كذبه ، ومن ساء خلقه عذَّب نفسَه" ([8]).
علامات سوء الخلق :
بما أنَّ لِحُسْنِ الخُلُق علامات ، فكذلك لسوء الخلق علامات يتميز بها ، وهي علامات كثيرة، مضادة لِعلامات حُسْنِ الخُلُق، من أشهرها : حب الإختلاف، وسوء الإنصات، وطلب العثرات، وإظهار ما يَخفى من السيئات، وعدم التماس الأعذار، وعدم احتمال الأذى ، وعدم الرجوع بالملامة على النفس ، والنظر في عيوب الآخرين دون النظر في عيوب نفسه ، وتكشير الوجه في وجه الصغير والكبير ، وعدم التلطف في الكلام لِمَنْ دونه ولِمَن فوقه ، وحب الظهور ، والتعالي على الناس ، والإعجاب بالرأي ونحوها مما يُقَلِّلُ من مكانة المُبتلى بها وإن انتسب إلى العلم.
وقد سئل ذو النون المصري ([9])مَنْ أدوم الناس عناءً ؟ قال : أسوأهم خلقاً ، قيل وما علامة سوء خلقه ؟ قال : كثرة الخلاف على أصحابه " ([10]).
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_________
(1) إحياء علوم الدين للغزالي (3/49).
(2) النَّهْمَة : بُلُوغ الهِمة في الشيء [ كما في مختار الصحاح للرازي (1/ 284)، وقد وردت في سياق النفي.
([3]) النذالة.
([4]) مدارج السالكين لابن القيم (2/ 309)، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1393ـ1973.
([5]) أخرجه ابن حبان في صحيحه [ كتاب النكاح ، ذكر الإخبار عن الأشياء التي هي من سعادة المرء في الدنيا (9/ 340 رقم 4032) ] من حديث سعد بن أبي وقاص.
([6]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 49).
([7]) المصدر السابق (نفس الموضع).
([8]) كتاب الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا (ص85) ، تحقيق أبي إسحاق الحويني ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى، 1410هـ.
([9]) ذو النون بن إبراهيم أبو الفيض المعروف بالمصري ، أصله من النوبة ، وكان من قرية من قرى صعيد مصر، يقال لها أخميم، فنزل مصر، وكان حكيماً فصيحاً زاهداً، وجه إليه جعفر المتوكل على الله فَحُمِل إلى حضرته، رآه وسمع كلامه، ثم انحدر إلى بغداد فأقام بها مدة، وعاد إلى مصر وقيل إن اسمه ثوبان وذا النون لقب له، وهو ثقة، وقد أُسْنِد عنه أحاديث غير ثابتة والحمل فيها على من دونه، وحكى عنه من البغداديين سعيد بن عياش الحناط، وأبو العباس بن مسروق الطوسي [تاريخ بغداد للخطيب (8/ 393 وما بعدها)].
([10]) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 360).