الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 5863

امرأة تثير المشاكل بين زوجها وأمه وأخواته، فكيف يتم التعامل معها؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 266: لي صديقة تشتكي من زوجة أخيها فهي امرأة سيئة الخلق تتعامل مع الناس بسوء الظن وتتكلم بكلام جارح، هذه المرأة غيرت مجرى حياتهم، فهي تحاول دائمًا إثارة المشاكل بين زوجها وبين أمه وأخوته، فعلًا زرعت وحصدت، وتمكنت من ذلك وأصبحت الآن العلاقة شبه مقطوعة من كثرة المشاكل التي أحدثتها هذه المرأة، أصبحت صديقتي تكرهها كرهًا شديدًا لدرجة أنها تقول لي لن أسامحها ما حييت ولو قبلت قدمي ما تقبلت منها أي عذر، وتكمل صديقتي القصة وتقول: أنها كانت تأتي إلى البيت وتهينهم، وكانوا كثيرًا ما يسكتون عنها، وكانت تفسر ما يقولونه - وكلام لا يعنيها أصلًا - تفسيرًا سيئًا، فكما أسلفت هي امرأة سيئة الظن، وتحاول إثارة المشاكل بهذه الطريقة وتذهب إلى أخيهم وتخبره أهلك فعلوا بي كذا وكذا وهي كاذبة، والمصيبة أن أخاهم يصدقها، ووصل الأمر أن أمرت أطفالها ألا يسلموا على جدتهم وعماتهم .. تقول لهم أن عماتكم يكرهونكم .. فبدأ الأطفال ينفرون من عماتهم، وأم صديقتي المسكينة تحاول دائمًا أن ترضيها ليس من أجلها ولكن من أجل ولدها، ومع أن العلاقة شبه مقطوعة إلا أنها تحاول بشتى الطرق أن تثير المشاكل، مع العلم أنها أيضًا متخاصمة مع إخوانها وزوجاتهم وهم كثيرًا ما يتكلمون عنها من ورائها فهل هذه غيبة أم تعتبر من شكوى المظالم كما قال الله تعالى: "لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ"(1) 
 وهم مظلومون .. فهل يأثمون أم لا؟؟


ج 266: نسأل الله أن يصلح الشأن وأن يوفق المسلمين للعمل بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وأن يعافي أسر المسلمين من كل سوء ومكروه.

كما ننصح كل شخص ينقل أي خبر عن غيره أن يتثبت من صحته عملًا بقول الله جل وعلا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"(2).

ومتى صح أمر كهذا على ما ذكرت السائلة فهذا مرض من جملة الأمراض الأسرية المتردية ويلزم الزوج أن يتقي الله وحده وأن ينصح الزوجة نصحًا صادقًا فلا خير في زوج أطاع زوجته على حساب أمه وأقربائه بل ذلك من العقوق الذي سيسأل عنه يوم القيامة، ولا بركة في زوجة تدفع زوجها لإقامة العداء بين أفراد الأسرة التي أصبحت متردية ومتفرقة بعد أن كانت أسرة مترابطة ملتئمة.

فالحذر الحذر أن يلدغ الزوج وهو لا يدري أو مغرر عليه فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"(3).

فعليه أن يتق الله في ذلك وألا يقبل حديثًا سيئًا في أقاربه الذين عاشرهم وعرفهم من سنين عديدة بمجرد خبر - الله أعلم بصحته - ثم لو صح فلا ينبغي له الهجر والقطيعة ولكن يلزمه معالجة الأمور بالحكمة المحضة فإن الحكمة ضالة المؤمن: "يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ"(4).

وكذلك نوصي أفراد الأسرة أن يحسنوا معاملتها وإن أساءت إليهم فهذا خير لهم في الدنيا والآخرة.

فإن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"(5).

وقال تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"(6).

وقال: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ"(7).

نزلت هذه في حادثة اتهام عائشة رضي الله عنها بالإفك الذي أذاعه المنافق عبد الله بن أبي وكان يتكلم فيها مسطح وحسان بن ثابت و حمنة بنت جحش وكان أبو بكر ينفق على مسطح وكان رجلًا محتاجًا فلما برأها الله حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح فنزلت هذه الآية: "فلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ"(8).

فقال: أبو بكر: بلى والله ياربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا و أعاد له بما كان يصنع(9).

ويحكى عن الحسن البصري أن رجلًا ذكره في مجلس بسوء فعلم الحسن وأرسل له بطبق فيه تمر هدية منه مقابل تلك الإساءة، فلما سئل الحسن وقيل لم فعلت ذلك؟ فقال: لقد أخذ من سيئاتي وأعطاني من حسناته فأردت أن أجازيه فأرسلت له التمر.

وقد أحسن من قال:
سامِحْ أخاك إذا خَلَطْ***مِنْهُ الإصابةُ والغَلَـطْ
وتَجَافَ عــن تعنيفه***إن زاغ يومًا أو قَسَطْ
واعلمْ بأنك إِنْ طَلَبْتَ***مُهَذَّبًَا رُمْتَ الشَّطَطْ
مَنْ ذا الذي ما سَاء قَط***ومَنْ له الحسنى فَقَطْ

فالصفح وغض الطرف وعدم رد الإساءة بمثلها أولى.

وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفهم(10) المَلّ(11) ولا يزال معك من الله تعالى ظهير(12) عليهم مادمت على ذلك"(13).

لكن لو فرضنا أنهم تكلموا في حقها بحق من باب رد الإساءة بمثلها فلا يعد ذلك من الغيبة بشرط عدم المبالغة والزيادة بما لا وجه له.

لأن الله عز وجل يقول: "وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"(14).

وقال: "مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ"(15).

وقد عد علماء الجرح والتعديل ذلك من الغيبة الجائزة عملا بقوله تعالى: "لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ"(16).

وجمع بعضهم ما يجوز في هذا الباب من الغيبة فقال:
القدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ***متظلمٍ ومعرفٍ ومحذرِ
ومجاهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومَنْ***طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ

ولا بأس بذلك إذا كانت الشكوى على الصديق لعله يذكره بالله أو يواسيه وقد أحسن من قال:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ***يواسيك أو يسليك أو يتوجعُ

لكن الأفضل من ذلك كله، الصفح والتلطف والصبر والنصيحة فإن عاقبة ذلك كله محمودة فما أعظم العفو والصبر وكظم الغيظ وما أحسن ثوابه وصدق الله القائل: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ(17) وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"(18).

وفق الله الجميع لطاعته وأصلح عباده ؛وبالله التوفيق .
___
(1) سورة النساء، الآية (148).
(2) سورة الحجرات، الآية (6).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (5/2271 رقم5782)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (4/2295 رقم 2998)] كلاهما من حديث أبي هريرة.
(4) سورة البقرة، الآية (269).
(5) سورة فصلت، الآية (34).
(6) سورة الأعراف، الآية (199).
(7) سورة النور، الآية (22).
(8) سورة النور، الآية (22).
(9) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المغازي، باب حديث الإفك (4/1517 رقم 3910)]، ومسلم في صحيحه [كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (4/2129 رقم 2770)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة.
(10) تطعمهم (من سففت الدواء)، وقيل تجعل.
(11) أصل الملة: التربة المحماة تدفن فيها الخبزة، والمل: الجمر، ويقال للرماد الحار أيضاً، فالملة: موضع الخبزة وقيل: الجمر الذي تشوى فيه الخبزة ولا يقال له مل حتى يخالطه رماد، والمعنى: إذا لم يشكروك، فإن عطاءك إياهم حرام عليهم، ونار في بطونهم، وأنك منصور عليهم، فقد انقطع احتجاجهم عليك بحق القرابة كما ينقطع كلام من سف الملة، ومثل هذا قول العرب: بفيك الإثلب: أي الحجر الذي يسكت الناطق، ومع هذا فقد دخل عليهم الإثم في أديانهم بفعل ما لا يجوز في حقك كما يدخل على من يتناول الرماد الحار من الألم والتنغيص.
(12) معاون.
(13) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982 رقم2558)] من حديث أبي هريرة .
(14) سورة الشورى، الآية (40).
(15) سورة البقرة، الآية (194).
(16) سورة النساء، الآية (148).
(17) أن يمتليء غيظًا فيرده في جوفه ولا يظهره.
(18) سورة آل عمران، الآية (134).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام