الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6613

كيف تكون الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 273: "الدنيا جنة الكافر" كما ذكر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فهل أن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا خالصة للكافر وتكون عقوبته في الآخرة فقط والمؤمن يكون مبتلى في الدنيا على قدر إيمانه ويجازيه الله في الآخرة، لأنني أصبحت في حيرة من أمري فهاهم الكفار والظالمون والمنافقون لهم الكلمة الآن وكلما ازدادوا ظلمًا وطغيانًا كلما فتحت لهم الدنيا أبوابها بلا حساب، وأرى المؤمن كلما قوي إيمانه كلما ازدادت ظروفه قسوة إضافة إلى ما نشاهده الآن من قتل اليهود والكفرة في كافة أنحاء الأرض للمؤمنين والمسلمين المستضعفين بلا رأفة ولا رحمة من دون أن تظهر للمسلمين بارقة أمل أو ينزل الله بعقوبة قاصمة على الظالمين تكون عبرة لهم ويظهر نصر المؤمنين، أريد أن أعرف كيف نستطيع أن نفرق بين الابتلاء والعقوبة وكيف نعرف الظرف القاسي الذي تمر به أهو ابتلاء أم عقوبة؟


ج 273: حديث "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"([1]) حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة، ومعناه - كما قال النووي وغيره من الشراح - : أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة مكلف بفعل الطاعات الشاقة فإذا مات استراح من هذا وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان.

وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد.

ومفهومه كما قال السائل: أن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا خالصة للكافر وتكون عقوبته في الآخرة، والمؤمن يكون مبتلى في الدنيا على قدر إيمانه ويجازيه الله في الآخرة.

لكن لا يعني أن نعيم الكافر في الدنيا غير مكدر بل فيه من التكدير الكثير وإن كان ظاهره الراحة والعيش المرفه فهم يعيشون في خوف ورعب ومشاكل أسرية واجتماعية لا تعد ولا تحصى ويخافون أشد الخوف والرعب من الموت والبطش والسياسات الغير متزنة ومن القوانين والدساتير التي لا تستقر على حال والتي فيها ما يهلكهم ويهلك الأمم ويخشون من الحروب لأنهم عانوا من ذلك الكثير من قديم الزمان إلى أيام قريبة وما زال الرعب في قلوبهم يراودهم بين الحين والآخر بسبب كثرة القلاقل وخشية أن يستيقظ المسلمون من سكرتهم وغفلتهم فالدنيا جنتهم باستباحة الشهوات والملذات لكونهم لم يتقيدوا بالشرع بخلاف واقعهم في الآخرة فليس لهم إلا النار والحميم فوجودهم في تلكم النار وعدم خروجهم منها بمثابة السجن، فدنياهم على حالهم هذه خير لهم من آخرتهم لأن الدنيا صارت لهم جنة بالنسبة إلى المآل النهائي.

بخلاف المؤمن فإنه ينقطع عن كل شهوة ونعيم حرمه عليه الشرع فيلتزم بالشرع ولا يخرج عن نطاقه قيد أنملة فهو مقيد به كالمسجون الذي له صلاحية محددة فإذا افتك من الدنيا التي هي سجنه ومات صار إلى جنته الحقيقية فالوعد المنتظر وهو الجنة وعد بعد صبر وقيد فكأنه سجن بالنسبة له لوجود جنة منتظرة. هذا هو تفسير الحديث لكون النعيم قد يملكه أيضًا كثير من المسلمين فهذا عبد الرحمن بن عوف وذاك سعد بن الربيع وذاك عثمان بن عفان وغيرهم من الصحابة كانوا تجارًا وكان النعيم بأيديهم وكذا قل الشافعي وأبو حنيفة والليث ولكن مع ذلك فدنياهم لا زالت سجنًا لهم لكونهم يأملون جنة الله سبحانه وتعالى.

إذن الدنيا سجن المؤمن لأنه لا يعطى فيها كل ما تشتهيه النفس بخلاف الآخرة ففيها ما تشتهيه النفس فهي الجنة المنتظرة.

وبالمقابل الكافر ففي دنياه ما تشتهيه النفس من الشهوات والملذات لبعده عن الدين فهي له جنة بخلاف الآخرة فإنه فيها سجين النار.

والأدلة النقلية والواقعية في هذا الباب كثيرة لا تخفى على ذي عينين.

فلا يستغرب العاقل المؤمن من انفتاحية الدنيا بملذاتها وشهواتها لأهل الكفر والنفاق فليس لهم الحظ إلا ذلك.

ففقر مع إيمان خير من نعيم مع كفر فللمؤمن الجنة الأخروية إن صدق مع الله وإلا أصابه ما أصاب أهل الكفر على قدر معصيته.

ثم وجود هذه الأموال والتجارات والهيمنة العالمية التي بأيدي أعداء الله ما هي إلا من الاستدراج ألا ترى أن رب العزة والجلال يقول: "فَذَرْنِي([2]) وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم([3]) مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ"([4]).

وقال جل شأنه: "وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ"([5]).

وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي([6]) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته([7])" قال ثم قرأ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"([8]).

وقال جل شأنه: "وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ"([9]).

فلا غرابة من وجود هذه القوة والهيمنة والنعيم بأيدي أهل الكفر رغم عصيانهم وبعدهم عن دين الله فلهم الدنيا وهي استدراج لا مستقبل لهم بها ولنا الآخرة إن صدقنا الله ورضينا بديننا واعتزينا به فهو مستقبلنا.

وقد وجد شيء من الحزن لدى بعض الصحابة رضي الله عنهم كيف يكون قيصر مع كفره وعصيانه في نعيم والرسول مع طاعته في ضنك عيش شديد؟ فأجابهم نبينا عليه الصلاة والسلام بأنها دنياهم ولنا الآخرة.

ففي الصحيحين: أن عمر بن الخطاب دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وكان جالسًا على حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أَدَم([10]) حشوها ليف وإن عند رجليه قَرَظًا([11]) مضبورا([12]) وعند رأسه أُهبًا([13]) معلقة.
قال عمر: فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت.
فقال: "ما يبكيك؟".
فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة"
([14]).

فلا غرابة في ذلك البتة.

ثم هذه القسوة والظلم من الأعداء تجاه المسلمين سنة قديمة عرفها المسلمون قديمًا وسطرها التاريخ من آلاف السنين فدعوة الرسل دعوة واحدة ودينهم واحد إلى كلمة التوحيد [لا إله إلا الله] : أي لا معبود بحق إلا الله وإن عبد غيره فبباطل.

وفي سبيل هذه الكلمة حصل لأهل الإسلام العناء الشديد من أهل الكفر فهذا ليس بحادث ولا جديد ولكنه يتجدد حسب الزمان والمكان حسب قوة المؤمنين وضعفهم على مر العصور وشواهد ذلك كثيرة منها:

ما أخرجه البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد([15]) بردة([16]) له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟
فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون([17]) لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"
([18]).

فهذا خباب يشتكي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام من أذى قريش للمسلمين والنبي يصبره ويذكره بما حصل لأهل الإسلام قديمًا وأي عذاب أشد من وضع المنشار يشق به الرجل نصفين ومع ذلك يثبت على دينه.

وأخرج أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم إنسان إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد([19]).

وأخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -  قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جزور([20]) آل فلان فيعمد([21]) إلى فرثها([22]) ودمها وسَلاها([23]) فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك فانطلق منطلق إلى فاطمة عليها السلام وهي جويرية فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش "ثم سمى" اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد" قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القَليب([24]) قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبع أصحاب القليب لعنة([25]).

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضًا كما في الصحيحين قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا([26]) من الأنبياء ضربه قومه فأدموه فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"([27]).

فكل ما هو حاصل اليوم بأهل الإسلام سواء من أهل الكفر أو النفاق قد حصل بالأمس لآبائهم وأجداهم المسلمين فما أشبه الليلة بالبارحة.

ومع كل ذلك فلا ينبغي لمسلم أن يعترض على قضاء الله وقدره لكونه لم ينزل عقوبة قاصمة على الظالمين تكون عبرة لهم فلله في خلقه شؤون.

ولأن ما يحصل لأهل الإيمان واليقين من الشدائد والمحن إنما ذلك ابتلاء واختبار فمن قوي إيمانه اليوم وأصيب بمثل ذلك ففي حقه ابتلاء وتكفير للذنوب ولذا قال تعالى: "وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"([28]).

قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم([29]).

وأخرج الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي([30]) به يوم القيامة"([31]). والحديث صحيح لغيره.

وأخرج أيضًا بإسناد حسن من حديث أنس - رضي الله عنه - : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط"([32]).

وأما العصاة والمذنبون من أهل الإسلام فكل ما يحصل لهم من الأعداء فهو بسبب ذنوبهم ومعاصيهم وبعدهم عن تعاليم دينهم.

قال تعالى: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى([33]) هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ"([34])، وقال جل شأنه: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ"([35]).

ولا يعني أن من قوي إيمانه أصيب بهذه المحن للابتلاء فحسب بل لا يسلم هو أيضًا من الوقوع في المعاصي إلا أنه أهون من المفرط نسأل الله السلامة.

وأما الضعف العام الذي حصل للمسلمين أمام قوة الشرق والغرب فيرجع إلى أمرين اثنين:

الأول: بعدهم عن دينهم.
الثاني: لحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت.

فلما كان الأمر كذلك استطاع اليهود وأعداء الله أن يبثوا سمومهم في أوساط المسلمين ففتحوا لهم دور السينما وسيطروا على الإعلام العالمي وعلى رؤوس الأموال ثم بثوا لهم الثقافات الغربية والشرقية ودعوا السذج من المسلمين إلى نشر مبدأ التغريب ووحدة الأديان والتعايش السلمي في صفوف المسلمين فكسبوا بذلك الرأي العام ثم أشغلوا الشباب والشابات بالموضات والأزياء والعكوف أمام التلفاز الذي يبث العالم كله خيره وشره وساعدوا أبناء المسلمين في تسهيل وقوع الرذائل والفواحش في المجتمعات ثم ختموا هذا الطبق ببث الدعارة والسموم عبر شبكة الإنترنت ولا زالوا يبحثون عما يفسد المسلمين لعل المسلمين ينسون دينهم ويعيشون كالبهائم لا دينيين ليتسن الأمر لليهود أن يهيمنوا هيمنة تامة على العالم ويحكموه على حد زعمهم ولكن لن يكون لهم ذلك كله وإن طال الزمن لوجود الطائفة المؤمنة الثابتة على دينها وإن عظم الفساد بالأمة.

ففي الصحيحين يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تزال طائفة([36]) من أمتي ظاهرين([37]) على الحق لا يضرهم من خذلهم([38]) حتى يأتي أمر الله([39]) وهم كذلك"([40]).

لكن نقول: إن الحال العام في الأمة يؤكد أن الأمة الإسلامية ضعيفة بسبب انشغالها بزخرفة الدنيا وبعدها عن دينها الأمر الذي جعل المسلمين يهابون دول الكفر والنفاق وهذا مصداق لما حدثنا به نبينا عليه الصلاة والسلام.

فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك([41]) الأمم أن تداعى([42]) عليكم كما تداعى الأكَلة([43]) إلى قصعتها".
فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟.
قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غُثاء كغثاء السيل([44]) ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن".
فقال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن؟           
قال: "حب الدنيا وكراهية الموت"
([45]).
والحديث حسن لغيره.

وللأسف أن كثيرًا من المسلمين اليوم يطالبون بنصر الله وهم على هذه الحالة المزرية مع أن الله اشترط للنصر الإيمان الصادق فقال جل شأنه: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"([46]).

فهل تحقق الإيمان في قلوب المسلمين الجواب: لا.
إذن: لا نصر .

المسلمون اليوم لا يملكون قوة معنوية وهي الإيمان الصادق ولا قوة حسية وهي: السلاح المادي لحرب العدو.

والعدو لا يملك القوة المعنوية لكنه بحق يملك القوة المادية فلا غرابة أن الغلبة اليوم من نصيبه لأن المسلمين فقدوا القوتين ففاقد الشيء لا يعطيه.

لكن لا يلزم المسلمين أن يكونوا أقوياء ماديًا بل اللازم أن يكونوا أقوياء معنويًا لأن الآية السابقة اشترطت القوة المعنوية ليس غير.

ولذا فنبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا ضعفاء من ناحية حسية فلا يملكون العتاد والعدة والقوة التي لدى الفرس والروم وإنما يحملون إيمانًا صادقًا يزلزل الكفر وأعوانه فنصرهم الله وأيدهم بجنده وأظفرهم على أعدائه فلما اعتز المسلمون بدينهم أعزهم الله ونصرهم على أعدائهم.

فمن من المسلمين اليوم يوجه رسالة شديدة اللهجة يتوعد بها أهل الكفر ويصدق في توعده ويحققه واقعًا ملموسًا لا يخشى إلا الله كما فعل هارون الرشيد في رسالته التي بعثها إلى نقفور وفيها قال: بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام([47]).

ثم شخص من يومه وسار فغزا الروم ففتح وغنم واصطفى وأفاد فرحم الله الأجداد ما أحوجنا إلى التشبه بهم والعودة إلى ديننا.

ولكن لا بد من النصر ولو بعد حين "وإنّ غدًا لناظره قريب".

فلا بد أولًا أن نحقق القوة الإيمانية في قلوبنا وأما الحسية فهي ثانوية والأولى تكفينا للنصر على الأعداء فأين هي؟ يا من أشغل حياته في المحال وتناسى دوافع النصر وبوادره.

وقولك أيها السائل: كيف نفرق بين الظرف القاسي الذي نمر به أهو ابتلاء أم عقوبة؟

فلا شك أنه ابتلاء وعقوبة معًا حسب ما سبق تفصيله إلا أنه يغلب في حق العصاة من المسلمين أنه عقوبة وفي حق الموحدين الصادقين ابتلاء لقوة إيمانهم وتكفير ذنوبهم.

وقد أخرج الترمذي وأحمد من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل([48]) يبتلى العبد على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة([49]) ابتلي على حسب دينه فما يبرح([50]) البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة"([51])، وكما قلنا أيضًا أنه لا يسلم من المعاصي أحد مهما عظم إيمانه إلا من عصمه الله؛ وبالله التوفيق.
_______
([1]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الزهد والرقائق (4/2272 رقم 2956)] من حديث أبي هريرة.
([2]) كله إِليَّ فإني أكفيكه.
([3]) سندنيهم من العذاب درجة درجة بالإِمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة.
([4]) سورة القلم، الآية (44).
([5]) سورة الأعراف، الآية (182).
([6]) يمهله ويؤخره ويطول عمره حتى يكثر منه الظلم.
([7]) لم يخلصه أبدا بل يهلكه لكثرة ظلمه.
([8]) سورة هود، الآية (102).
([9]) سورة الزمر، لآية(47).
([10]) بفتحتين جمع أديم أي جلد (مدبوغ).
([11]) بفتح القاف والراء وبالظاء المعجمة وهو ورق شجر يدبغ به.
([12]) مجموعًا.
([13]) بفتح الهمزة وضمها لغتان مشهورتان وهو جمع إهاب وهو الجلد الذي لم يدبغ.
([14]) أخرجه البخاري في صحيح [كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق (4/1866 رقم 4629)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى {وإن تظاهرا عليه} (2/1105 رقم 1479)] كلاهما من حديث ابن عباس.
([15]) من توسد الشيء جعله تحت رأسه.
([16]) نوع من الثياب.
([17]) تحت.
([18]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (6/2546 رقم 6544)] من حديث خباب بن الأرت.
([19]) أخرجه أحمد في مسنده [ومن مسند بنى هاشم، مسند عبد الله بن مسعود (1/404 رقم 3832)] من عبد الله بن مسعود.
([20]) بعير (جمل).
([21]) يقصد.
([22]) السرجين ما دام في الكرش.
([23]) الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه (رجحه البعض).
([24]) البئر قبل أن تطوى (تبنى جدرانها وتلف بالحجارة).
([25]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته (1/94 رقم 237)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الجهاد والسير, باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (3/1418 رقم 1894)] كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود.
([26]) حال كونه يحكي حال نبي.
([27]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إذا عرض الذمي بسب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصرح نحو قوله السام عليكم (6/2539 رقم 6530)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد (3/1417 رقم 1792)] كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود.
([28]) سورة التغابن، الآية (11).
([29]) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى [كتاب الجنائز، باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع (4/66 رقم 6925)] عن أبي ظبيان.
([30]) من الموافاة وهي الإتيان.
([31]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الصبر على البلاء (4/601 رقم 2396)] من حديث أنس بن مالك.
([32]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الصبر على البلاء (4/601 رقم 2396)] من حديث أنس بن مالك.
([33]) من أين أصابنا هذا وكيف.
([34]) سورة آل عمران، الآية (165).
([35]) سورة الشورى، الآية (30).
([36]) قيل: يحتمل أن تكون هذه الطائفة (الجماعة) متفرقة في أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله من مجاهد وفقيه ومحدث وزاهد وأمر بالمعروف وغير ذلك من أنواع الخير ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز ان يكونوا متفرقين في أقطار الأرض، قلت: بشرط التمسك بالكتاب والسنة بفهم السلف.
([37]) محصلين وناشرين.
([38]) ترك عونهم ونصرتهم، وسلك غير طريقهم.
([39]) بقبض أرواح المؤمنين بالريح التي تهب قبل قيام الساعة (القيامة) رجحه ابن حجر (الفتح 13/19) وغيره.

([40]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر (3/1331 رقم 3441)] من حديث المغيرة بن شعبة، ومسلم في صحيحه [كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم (لا تزال ظائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم)(3/1523 رقم 1920)] من حديث ثوبان.
([41]) يقرب.
([42]) يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال.
([43]) كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضا.
([44]) ما يحمله السيل من زبد ووسخ شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم وخفة أحلامهم.
([45]) أخرجه أحمد في مسنده [باقي مسند الأنصار، ومن حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه (5/278 رقم 2450)] من حديث ثوبان.
([46]) سورة الروم، الآية (47).
([47]) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت (10/194).
([48]) الأشبه بهم أو الأفضل من غيرهم من المثالة والجمع أماثل.
([49]) ضعف ولين.
([50]) ما يفارق أو ما يزال.
([51]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند سعد بن أبي وقاص (1/180 رقم 1555)] من حديث سعد بن أبي وقاص.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام