الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6339

نصيحة في الخلاف الواقع بين الإخوة في فرنسا "فتوى قديمة قبل وفاة الشيخ محمد بن موسى آل نصر"
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 627: شيخنا الكريم: نحن إخوة لكم من فرنسا، مَنَّ الله علينا بمسجدٍ رتبنا فيه بعض الدروس مع مشايخ لنا أعطونا من وقتهم - جزاهم الله خيرا -؛ كالشيخ عبد الله بن صالح العبيلان، والشيخ سلطان العيد، والشيخ عبد الله الذماري، والشيخ محمد بن موسى آل نصر، وآخرين - حفظ الله الجميع - لتعليمنا ديننا، باذلين جهودهم معنا، حتى جاء بعض الشباب من إخواننا وأوقفوا الدروس بحجة أن الشيخ الفلاني حذر منهم؛ فتوقفتِ الدروسُ، وانقسم الصف وتهاجر بعضنا مع بعض، ونحن نعيش في بلد فيه غربة البلد وغربة العلماء، فأثرت هذه الفتنة حتى على الذين اعتنقوا الإسلام، فسلكوا بعض المناهج السيئة كجماعة التكفير، فأرجو من فضيلتكم أن تشرحوا للعلماء ما يجري بسبب فتنة الجرح والتعديل والصد عن سبيل الله، فإن مسؤوليتكم كبيرة في توقيف ونبذ هذا الخلاف، والإصلاح بين المشايخ، ولمّ صف هذه الدعوة المباركة كما كانت في زمن المشايخ الكبار؛ كالشيخ ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، رحم الله الجميع، وحفظ المشايخ الباقين.

شيخنا المبارك: لعلكم لا تدرون ما يجري عندنا هنا في فرنسا بسبب هذه الفتنة، والله شاهد على ما أقول، راجيًا من الله أن يأخذ الشيخُ هذا الأمرَ باهتمام - حفظه الله -، ويكون السبب بعد الله في الصلح بين المشايخ، وجزاكم الله خيرًا.

ج 627: نحن في زمن غريبٍ، يجعل الحليم في حيرة من أمره.
لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهكذا أهل القرون المفضلة، يختلفون في قضايا كثيرة، ولكنهم كانوا وقّافين عند الحقِّ، ويعرفون لإخوانهم حقوق الأخوة مهما اختلفوا، فإنه لا يمنع في الشريعة أن أختلفَ مع أخي في مسائل وأمور ما، ولكن له حق الإخاء، وخاصة الحقوق العامة التي قال عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - : «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ(1) فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ(2)، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ»، كما في صحيح مسلم(3).

وللأسف الشديد؛ فإن بعض المسلمين وخاصة بعض المنتسبين للعلم والمنهج السليم يقفون على بعض الآثار التي كانت رأياً واجتهاداً لبعض السلف، ويتركون عامة ما ورد عن الصحابة من الأفعال والأقوال، بل ويتركون نصوص الوحي المطردة في الكتاب والسنة في باب الأخوة الإيمانية والدعوة إلى الله وراء ظهورهم، ويتمسكون بما وافق هواهم؛ فيقولون لمن أخطأ أو توهموا أنه أخطأ: لا أكلمك أبدًا، فإذا قلت له: الهجر حرام، قال لك: "إنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ - قَالَ - فَنَهَاهُ ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْخَذْفِ(4) وَقَالَ: «إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا، وَلاَ تَنْكَأُ(5) عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، قَالَ فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ، لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا"، والحديث في صحيح مسلم(6).

وفي هذا النص فرق بين من ردَّ حديثاً وكابر، وبين ما يجري بين إخواننا في إطار المنهج السلفي من أخطاء أو ما تُوهِم أنها أخطاء.

ومن فعل السلف أيضاً: هجر عائشة لابنِ الزُّبيرِ مُدَّةً(7)، وجاء أن سعد بن أبي وقاص كان مهاجراً لعمار بن ياسر حتى مات(8)، وعثمان بن عفان كان مهاجراً لعبد الرحمن بن عوف، وعائشة كانت مهاجرةً لحفصة حتى ماتت، وكان طاووس مهاجراً لوهب بن منبه حتى مات، ونحوها من المأثور الصحيح وغير الصحيح(9).

وأيضاً فهم يتمسكون بموقف السلف والعلماء من المبتدعة، وأنهم هجروهم فيجعلون إخوانهم في مقام المبتدعة، ويعاملونهم بالكيل نفسه، وهذا فهم خاطئ؛ فخلافنا مع المبتدعة غير اختلافنا مع إخواننا - بارك الله فيكم -.

والعجيب أن يأتي أحدهم ويتمسك بمثل ذلك؛ ويهجر إخوانه المسلمين، ويعرض عن متواتر الوحي في الكتاب والسنة ومأثور ما صح عن عامة الصحابة.

والأمرُّ من ذلك هو عدم تعاون بعضهم مع بعض في المجال الدعوي المتفق عليه.

فنحن لأننا مسلمون لا نقول بقاعدة: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه؛ لأن هذه قاعدة تخالف الدين، ولذا عندما طبّقها الإخوان المسلمون صاروا مناصرين للرافضة الذين يكفرون الصحابة، والرافضة هم الذين يقولون: بأن القرآن الذي بين أيدينا محرف، ولذلك تجدونهم إخوانًا للرافضة، والرافضة أخبث من اليهود والنصارى.

ولكن ما دام أن المختلفين سلفيون، وعلى منهج واحد وهو دين الله، فإنه يلزم أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

بالله عليكم، هل من العقل - فضلًا أن أقول من الشرع - أن يعيش مجموعة قليلة من المسلمين بين ظهراني الكفار، فينشغل بعضهم في الكلام في بعض، ويهجر بعضهم بعضاً، ويبدع بعضهم بعضاً، وينشغلون عن دعوة الكفار للإسلام، وعن التواصي بالحق والصبر والمرحمة، وأن يصبر بعضهم بعضا على الخير، هل ذلك مقبول عقلًا؟! فما بالكم بالشرع؟

ثم إنهم في بلاد الكفار قلة، فإذا انشغل بعضهم ببعض صاروا لقمة سائغة للكفار، ثم ما ذنب هؤلاء الذين أسلموا مؤخراً حتى ينشغلوا عن أن يعلموهم ويشرحوا لهم مبادئ الدين إذا كان هؤلاء انشغلوا بأنفسهم؟
وإن المسلم الجديد عندما يدخل في الإسلام ويجد هذه الجفوة بين المسلمين سوف ينظر نظرة غير جيدة إلى الإسلام وأهله.

فإذا كان العقل لا يقبل مثل ذلك، فالإسلام من باب أولى؛ فتأملوا معي قول الله تعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً"(10).

وقوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"(11).

وفي الصحيحين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ(12)، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(13).

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: "لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا(14)، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا". وَيُشِيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"(15)، فأين نحن من هذه الأدلة؟

لقد دعا الإسلامُ المجتمعاتِ إلى جمع الكلمة، ونبذ الخلاف، وتوطيد أواصر الأخوة الإيمانية في المجتمع المسلم، والعمل على تحقيق الأخوة من خلال الحقل الدعوي.

وإن القلب لَيتفطرُ عندما يُعرف مثلُ هذا الاختلاف العريض، وخاصة في مجتمعِ أقليةٍ مسلمة يعيشون بين ظهراني الكفار.

وقد اتصل بي بعض الشباب من فرنسا وهولندا وبريطانيا وبعض الدول الأوربية الأخرى وأخبروني أنهم يعانون من هذه الفتنة التي ظهرت بعد موت الألباني وابن باز - رحمهما الله -.

لقد كان المشايخ يزورونهم إلى بلاد أوربا ليعلموهم أمور دينهم، وفي مقدمة هؤلاء الشيخ المحدث علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن موسى آل نصر، وفضيلة الشيخ الحبيب صاحب التحقيقات الرصينة مشهور بن حسن آل سلمان، والشيخ عبد الله العبيلان، والشيخ الحبيب عبد الله الذماري، والشيخ الفاضل سلطان العيد، ومن لم أذكر من خيرة الدعاة إلى الله، وأما اليوم فصار هناك من يحذر منهم، ويطعن فيهم بغير إنصاف، والله المستعان.

أيها الإخوة: هؤلاء في فرنسا وفي بريطانيا مختلفون وكلهم سلفيون، وصار لكل مجموعة مسجد، وبعض المساجد هنالك كما رأيتها عبارة عن شقة، ويسمونها مسجدًا يجتمعون فيها ويقيمون فيها صلاة الجمعة والجماعة والدروس، فصار بعضهم يمنع بعضاً من الدخول أو الدعوة في مثل هذه الأماكن، وبعضهم يغلقها في وجوه إخوانه، فأي دعوة هذه، وأي أخوة؟

تصوروا معي هذا الموقف، ثم تأملوا معي قوله تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا"(16).

بمعنى: ليس هناك من هو أظلم منه.

فبالله عليكم هل يُتصور أن يأتي زمانٌ يكون السلفي هو الذي يمنع الناس من مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعى أيضاً في خرابها؟

حقًّا هذا شيءٌ يندى له الجبين، ويتفطر لمثله القلب.

المسلم الذي ظلم إخوانه يجب عليه أن يجلس مع نفسه، ويعيد النظر في حياته، ويختلي مع الله، ويصحح وضعه؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

هناك علماء ودعاة يُعدون على الأصابع حرموا أنفسهم من الخير، وظلموا أنفسهم وظلموا إخوانهم العلماء والدعاة وطلاب العلم، وجعلوا من الحبّةِ قُبَّةً، وجعلوا الخطأ الصغير كبيرة من الكبائر، وبعضها ليس بخطأ، بل هو متوهم أنه خطأ، ولو فرضنا أنه خطأ، فأين نحن من حسن النصيحة والإنصاف.

من هو علي الحلبي، ومن هو مشهور، والعبيلان، وأضرابهم عند الألباني، وابن باز، والعثيمين، وبكر أبو زيد؟
الجواب: لم نعرف إلا خيراً، فلماذا بعد وفاة هؤلاء الأعلام الكبار قامت هذه الحرب الضروس باسم السلفية وباسم الجرح والتعديل.

وبدلاً من توجيه هذه الحملة نحو أعداء الله، ومن يحاربون المنهج السلفي توجهت نحو خيرة وصفوة دعاة السلفية.

وقد جاء في الحديث - وأرجو ألا بأس به -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنها ستكون فتنة" قالوا: فكيف بنا يا رسول الله، وكيف نصنع؟ قال: "ترجعون إلى أمركم الأول"(17).

فأقول لكم: ارجعوا إلى أمركم الأول قبل وفاة هؤلاء الأعلام، وما قالوه في مشايخ الدعوة اليوم، ولا تلتفتوا لمن يبدعهم أو يطعن فيهم، ففي هذه الأيام اتسع الخرق على الراقع؛ فكلما حاولنا أن نرقع الفتنة من جهة بغية التخفيف أو القضاء عليها والخلاف الحاصل، وجدنا أن الخلاف قد توسع؛ لوجود من يفسد بين ذات البين.

وأما طلب السائل مني أن أعرض مثل هذا على بعض العلماء.

فأقول: سبق وأن اجتمعت مع مجموعة من المشايخ والدكاترة من أصحاب التخصص الشرعي، وتكلمنا حول هذه القضية قبل شهرين؛ فقال أحدهم: كنت في بريطانيا، وحدَّثَنا بمثل ما ذكر السائل، ثم قال: فلما رجعت عرضت الأمر على الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، فاستكبر الأمر وغضب من أن يكون شيء من هذا الخلاف بين سلفيين في بلاد الكفار، ولعل الله أن ييسر ونطرح عليه وعلى بعض علمائنا ما تفضلتم به.

فتنبهوا، فهذه فتنة عظيمة ستجعلنا لقمة للأعداء، ويكفيكم لدغات فقد كثرت عليكم، وإن نبيكم -صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يلدغ مؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين"(18).

وإني أرى اليومَ أن هناك من يُلدغ عشراتِ المرات ولا يراجع نفسه.

وإني لأنصح إخواني في بلاد العجم وخاصة في فرنسا وأمريكا وبريطانيا وإسبانيا وهولندا ومن تواصلوا معي وغيرَهم ممن تشابهت وتماثلت عندهم الفتنة ألا يعاملوا هؤلاء بأخلاقهم، وإنما يعاملونهم بأخلاق الشرع، وأن يكونوا خير آخذ؛ فإن الله - عز وجل - قال: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"(19).

وقال الله تعالى: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ"(20).

فقد نزلت هذه الآية - كما في الصحيحين - في حادثة اتهام عائشة - رضي الله عنها - بالإفك الذي أذاعه المنافق عبد الله بن أبيّ، وكان يتكلم فيها مسطح وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكان أبو بكر ينفق على مسطحٍ؛ وقد كان رجلًا محتاجًا، فلما برأها اللهُ حلف أبو بكر - رضي الله عنه - ألا ينفق على مسطح، فنزلت هذه الآية: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

فقال أبو بكر- رضي الله عنه - : "بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه"(21).

ويحكى عن الحسن البصري أن رجلًا ذكره في مجلسٍ بسوءٍ ظن، فعلم الحسنُ وأرسل له بطبق فيه تمر هديةً منه مقابلَ تلك الإساءة، فلما سُئل الحسنُ، وقيل له: لمَ فعلت ذلك؟ فقال: "لقد أخذ من سيئاتي، وأعطاني من حسناته فأردت أن أجازيه فأرسلت له التمر".

وإنّ مَن جاءكم يرجو العفو والمعذرة والسماح عما حصل منه، فعليكم أن تقبلوا منه ولا تكونوا مثلهم ممن يقول: لن أسامحك، ولن أقبل منك، وأنت متذبذب وملوّن ونحوها من كلام بعض المساكين الذين أغلقوا الأبواب في وجوه إخوانهم، وطعنوا فيهم، وحجّروا واسعاً، وكما قيل:

سامِحْ أخاك إذا خَلَطْ
مِنْهُ الإصابةَ بالغَلَطْ
وتَجَافَ عــن تعنيفهِ
إن زاغ يومًا أو قَسَطْ
واعلمْ بأنك إِنْ طَلَبْتَ
مُهَذَّبَا رُمْتَ الشَّطَطْ
مَنْ ذا الذي ما سَاء قَطُّ
ومَنْ له الحسنى فَقَطْ(22)

والله سبحانه وتعالى يقول: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"(23).

وأخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رجلًا قال: يا رسول الله: إِنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ(24)، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ(25) عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ"(26).

لعلي أطلت الكلام، وأخاف من التكرار والملل، وبالله التوفيق.
ــــــــــ
([1]) طلب منك النصح.
([2]) تشميت العاطس أن يقول له: يرحمك الله، ويقال بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان، وسمِّتْه: ادع له، والتسميت الدعاء بالخير والبركة.
([3]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب السلام - باب من حق المسلم للمسلم رد السلام (4/ 1704 رقم 2162)] من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا.
([4]) هو أن يأخذ الحصاة والنواة بين السبابتين ويرمى بها.
([5]) تقتل.
([6]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان - باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو وكراهة الخذف (3/ 1547 رقم 1954)].
([7]) أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الأدب - باب الهجرة (5/ 2255 رقم 5725)].
([8]) وقال له سعد: إن كنا لنعدّك من أفاضل أصحاب محمد - صلّى الله عليه وسلم -- حتى لم يبق من عمرك إلا ظِمْء الحمار، أخرجت ربقة الإسلام من عنقك، ثم قال له: أيهما أحب إليك، مودّة على دخل، أو مصارمة جميلة؟ قال: بل مصارمة جميلة، فقال: للَّه عليّ ألّا أكلمك أبدًا، كما في "المعارف" لابن قتيبة.
([9]) كما أن ابن عمر - رضي الله عنهما - هجر ولده بلالًا، وقيل: واقد، والأول أشهر، فلم يكلمه حتى مات - كما في صحيح مسلم، ومن أغرب ما ذُكر هو هجر سعيد بن المسيب لأبيه فلم يكلمه حتى مات، والأمثلة كثيرة، وقد عقد الإمام ابن قتيبة فيه بابًا أسماه (المتهاجرون) كما في كتابه المعارف، وستجد هذه التي ذكرها الشيخ صادق - وفقه الله - وغيرها، ص (550). [المعارف، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ). تحقيق: ثروت عكاشة. الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة: الثانية، 1992م].
([10]) سورة آل عمران، (103).
([11]) سورة الحجرات، (10).
([12]) أي: لا يتركه إلى الظلم.
([13]) أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب المظالم - باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه (2/ 862 رقم 2310)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب البر وآداب الصلة، باب تحريم الظلم (4/ 1996 رقم 2580)] من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما -.
([14]) من النجش، وهو: أن يزيد في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها؛ ليوهم غيره بنفاستها.
([15]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله (4/ 1986 رقم 2564)] من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً.
([16]) سورة البقرة، (114).
([17]) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير (3/281، 282 رقم 3307)، من حديث أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - مرفوعًا.
([18]) أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الأدب - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (5/ 2271 رقم 5782)] ومسلم في "صحيحه" [كتاب الزهد والرقائق - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (4/ 2295 رقم 2998)] من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا.
([19]) سورة الأعراف، (199).
([20]) سورة النور، (22).
([21]) أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب الشهادات - باب تعديل النساء بعضهن بعضا (2/ 942 رقم 2518)] ومسلم في "صحيحه" [كتاب التوبة - باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (4/ 2129 رقم 2770)] من حديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعًا.
([22]) الأبيات للحريري، انظر مقامات الحريري، للقاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبي محمد الحريري البصري (ت516هـ)، ط. دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط. الأولى 1981م، تحقيق: يوسف بقاعي، ص (175، 176).
([23]) سورة فصلت، (34).
([24]) الرماد الحار الذي يحمى ليدفن فيه الطعام لينضج.
([25]) أي: معينٌ دافعٌ لأذاهم.
([26]) أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/ 1982 رقم 2558)].




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام