حكم البيع تقسيطا بسعر ونقدا بسعر
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 666: شيخنا الكريم، أنا صاحب محل لبيع الحاسبات، هل يجوز لي أن أبيع الحاسب المحمول بسعرين - أي بالتقسيط، والبيع نقدًا، وفي مثل هذه المعاملة يوجد فرق في السعر، بين البيع نقدا، وبين البيع بالتقسيط، وجزاكم الله خير الجزاء؟
ج 666: هذه المسألة سبق أن تكلمنا عنها في فتاوى سابقة، وقد أفتينا بجوازها بشروط وقلنا: اختلف الفقهاء في تفسير الحديث الثابت عند الترمذي والنسائي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ([1]).
فمنهم من قال: "بيعتين في بيعة" أن يقول: أبيعك هذا الثوب نقدًا بعشرة ونسيئةً بعشرين.
وقال الشافعي: "بيعتين في بيعة" أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري([2]).
وهناك تفسير ثالث ذكره ابن رسلان في (شرح السنن) وهو: (أن يسلفه دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفير الذي لك عليَّ إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة؛ لأن البيع الثاني قد دخل على الأول، فيرد إليه أوكسهما وهو الأول).
هذه ثلاثة أقوال تفسر الحديث، والمسألة خلافية من أيام التابعين، والجمهور على جواز بيع التقسيط، بمعنى أنهم لا يقولون بالتفسير الأول ولا الثاني؛ باعتبار أن الأول فاسد، ولذا قال ابن رسلان بفساده عند أكثر أهل العلم، وعلل ذلك بكونه لا يُدرى أيهما جُعِل الثمن له.
وباعتبار أن الثاني فاسد أيضًا كذا في" المرقاة" لأنه بيع وشرط، ولأنه يؤدي إلى جهالة الثمن، وليس له قيمة فهو شرط لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن، فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الثاني مجهولًا ([3]).
والحاصل أنه جائز؛ لعدم ما يفيد حرمته سوى احتمالات لا يقوم بمثلها الاحتجاج، ولكن بشرطين:
الأول: التراضي بين الطرفين المشتري والبائع؛ عملًا بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ"([4]).
الثاني: أن يكون البائع مالكًا للسلعة التي يرغب في بيعها، لما أخرجه الشيخان عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من ابتاع([5]) طعامًا([6]) فلا يبعه حتى يقبضه"([7]).
فإذا كان البنك أو البائع بالفعل قد اشترى هذه السيارة وقبضها وصارت ملكًا له فقد جاز بيعها تقسيطًا بسعر، ونقدًا بسعر آخر، وبالله التوفيق.
[1] أخرجه أحمد في "المسند" (15/ 358 رقم 9584)، والنسائي في "سننه" [كتاب البيوع - بابٌ منه (7 / 295 رقم 4632)]، والترمذي في "سننه" [كتاب البيوع، باب ما جاء في النهى عن بيعتين في بيعة (2/ 513 رقم 1231)].
[2] قال النووي –رحمه الله-:" وفسر الشافعي وغيره من العلماء البيعتين في بيعة تفسيرين؛ أحدهما أن يقول: بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة.. " إلخ، انظر المجموع شرح المهذب، للعلامة النووي (9 / 338)، ط. دار الفكر- بيروت 1997 م.
[3] انظر [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ)، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ - 2002م، (5/1938 رقم 2868)].
[4] سورة النساء: (29).
[5] اشترى.
[6] يعني: حنطةً أو شعيرًا أو تمرًا ونحو ذلك.
[7] أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب البيوع - باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة (2/750 رقم 2026)]، ومسلم في "صحيحه" [كتاب البيوع - باب بطلان بيع المبيع قبل القبض (3/ 1160 رقم 1526)].