الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 1946

الضوابط التي يحل بها وطء الإماء
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س 721: أيها الشيخ الفاضل: إني أحبك في الله، وعندي سؤال أرجو منك أن تتفضل بالإجابة عنه:

إذا أراد الرجل أن يجامع جاريةً عنده سواءً كان استولى عليها في الحرب أو اشتراها بماله، لكي تكون عنده خادمة، فما هي الشروط التي يجب أن يراعي المسلم فيها هذه الجارية، هل يحتاج هذا الجماع معها المهر والشاهدين والقبول والإيجاب، أو أنه بمجرد وجودها عنده فله أن يجامعها في أي وقت أراد، وبارك الله فيك، ونوَّر الله وجهك الطيب.

ج 721: طالما وثبت أن هذه جاريةٌ بسبب سبيٍ، وهو أسرها حال حرب، أو كان بسبب غنائم في حرب، أو قُسِّم هذا السبي أو الغنائم على الجنود فكان نصيب المقاتل امرأة - وهي ما تسمى جارية بعد سبيها - فهذه تُعد من ملك اليمين، وله أن يدخل بها ويجامعها من غير شهود ولا ولي أمر ولا مهر، وأن يقيم لها حق التقدير، وعليه ألا يؤذيها أو يقصر في حقها من مشرب ومطعم ومسكن وملبس ودعوة للإسلام، ونحوها مما يحتاجه عامة النساء، بطريقة لا تقصير فيها، وله أن يبيعها لمسلم آخر وللمسلم المشتري ما للأول وعليه ما على الأول.

وقد أعجبني كلام للشافعي -رحمه الله- حول متى تباح الفروج، في كتابه "الأم": "إنَّ مَا أَبَاحَهُ [الشرع] مِنْ الْفُرُوجِ فَإِنَّمَا أَبَاحَهُ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ النِّكَاحُ أَوْ مَا مَلَكَتِ الْيَمِينُ"([1]).

وأقول معلقاً على كلامه -رحمه الله-: إن النكاح يكون بالمهر، والولي، وشاهدي العدل.

وأما ما ملكت اليمين فيكون بلا مهر، ولا شهود، ولا وليٍّ إذا ثبت أن الجارية ملكه بما تقدم مما ذكرنا له، فإذا أنجبت فهي أم الولد، والولد ينسب لمن جامعها وهو سيدها إجماعاً، وقد كانت مارية القبطية أم ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي أم إبراهيم، وتكون حرة ولا يحل بيعها على المختار، إذا أنجبت من مالكها -وهو سيدها.

وقد يحتج علي شخص منكم بحديث جابر-رضي الله عنه- عند أبي داود وغيره قال جابر –رضي الله عنه-: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد أبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا"([2])، وهو حديث صحيح على شرط مسلم.

فأقول: نعم، لقد كان هذا هو المعهود في العهد النبوي -وهو بيع أمهات الأولاد- وجرت عليه العادة، ثم نهاهم عمر –رضي الله عنه- في عهده، وكذا استمر الأمر على عهد عثمان –رضي الله عنه- إلى يومنا هذا؛ وذلك لحقها في إنجاب هذا الولد الحر، وقد صح عن ابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة –رضي الله عنهم- أنهم قالوا: "ولدها بمنزلتها"([3]).

ويقوي ما ذهب إليه عمر وجمهور الصحابة من بعده، ما أخرجه مسلم في "صحيحه" في وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بأهل مصر حيث قال: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِىَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ([4])، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا([5])". أَوْ قَالَ "ذِمَّةً وَصِهْرًا"([6]).

والمقصود بالصهر هنا أن مارية وهي جارية النبي -صلى الله عليه وسلم- مصرية قبطية، فدل على حق أم الولد، ومن حقها أن تكون حرة، فدل على وجوب حق أم الولد، فرأى عمر-رضي الله عنه- ومن بعده من الأمراء أنها حرة بولدها.

وأما حديث ابن عباس-رضي الله عنه- قال: ذُكرت أم إبراهيم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أعتَقَها ولدُها" فهو ضعيف([7]).([8])، وله روايات كثيرة وشواهد قواه بعضهم بها، وبالله التوفيق.


[1] انظر " الأم" للشافعي –رحمه الله– (5/43) "مصدر سابق".

[2] أخرجه أبو داود في "السنن" [كتاب العتق- باب فِي عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ (4/47 رقم 3956)]، والحاكم في "المستدرك" [كتاب البيوع 2/18، 19 رقم 2150)].

[3] قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (7/ 434): وروي ذلك عن عثمان وابن مسعود وابن عمر وجابر، ولا أعلم لهم مخالفًا من الصحابة. اهـ (أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار.  دار الكتب العلمية – بيروت. الطبعة الأولى، 1421 – 2000م. تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض).

[4] قال العلماء: إن القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به؛ لذا ذُكروا هنا.

[5] وذلك لأن هاجر أمَّ إسماعيل منهم.

[6] أخرجه مسلم في "صحيحه" [كتاب فضائل الصحابة - باب وصية النبي صلى الله عليه و سلم بأهل مصر (4/1970 رقم 2543)] من حديث أبي ذر –رضي الله عنه-.

[7] من أجل حسين بن عبد الله المدني، وقد ضعفه الحافظ في "التقريب" ص167. (أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (ت852هـ)، تقريب التهذيب. تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد – سوريا، ط 1406 هـ- 1986م).

[8] أخرجه ابن ماجه في "سننه" [كتاب العتق - باب أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ (4/ 141 رقم 2516)]، والحاكم في "المستدرك" [كتاب البيوع (2/ 23 رقم 2191)].




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام