لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن (5)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الخامسة: الحوثي والاقتصاد (لصوص بلباس الولاية)
منذ أن استولى الحوثيون على مفاصل الدولة، لم يكن الاقتصاد مجرد ضحية، بل كان هدفا مباشرا في مشروعهم، فقد رأوه وسيلة للسيطرة، وأداة للخضوع، ومصدرا لثراء طبقة طائفية على حساب الملايين من الجائعين والمنكوبين.
لقد عاش اليمن منذ عقود أزمات اقتصادية، لكنها لم تبلغ قاع الذل والنهب والاحتكار والتجويع المتعمد كما بلغته تحت حكم الحوثيين.
فهنا لا أزمة سببها الحصار وحده، ولا الحرب فقط، بل هناك منظومة متكاملة من النهب والفساد والاستعباد.
أولا: نهب الدولة وتجريف مؤسساتها.
منذ لحظة الانقلاب، سيطر الحوثيون على البنك المركزي، ونهبوا احتياطاته، وصادروا كل الإيرادات العامة: الضرائب، الجمارك، الاتصالات، الزكاة، الوقود، وحتى أموال الأوقاف.
أين ذهبت هذه الأموال؟ ذهبت إلى جيوب السلالة، وإلى ما يسمى بالمجهود الحربي، وإلى مؤسساتهم الطائفية الخاصة التي لا تخضع لأي رقابة. بينما ملايين الموظفين في مناطق سيطرتهم لم يستلموا رواتبهم منذ سنوات، وتركوا يتضورون جوعا بلا رحمة.
أصبحت الدولة خزانا مفتوحا للمال، يتصرف فيه حفنة من الحوثيين، وكأنهم أصحاب البلاد، يوزعون الثروة وفق الولاء لا الاستحقاق، وينهبون باسم الخمس والفيء والغنائم، وكأننا في غزوة لا في دولة.
ثانيا: فرض الجبايات ونهب التجار.
لم يعرف اليمنيون في تاريخهم الحديث آلة جباية جائرة كما في عهد الحوثي.
فكل شيء عليه ضريبة، وكل تاجر عليه مجهود حربي، وكل مناسبة دينية لها دعم، وكل حي معه مال عليه خمس، بل أصبح الناس يدفعون زكاة إجبارية تحت تهديد السلاح، لا عبادة ولا طاعة لله، بل إتاوة تصب في جيوب الجماعة.
الأسواق خنقت، التجار هددوا، بعضهم سُجن، وبعضهم أفلس، وبعضهم أُرغم على دعمهم، أو الخروج من السوق. إنه اقتصاد المافيا لا الدولة، حيث السلطة الحوثية لا تحمي السوق، بل تبتزه.
ثالثا: انهيار العملة وتدمير المواطن.
ترك الحوثيون المواطن يواجه الجوع والفقر والانهيار دون أي اكتراث.
بل إنهم يضاربون بالعملة في السوق السوداء، ويمنعون تداول الطبعات الجديدة من العملة الصادرة عن البنك في عدن، مما سبب ازدواجية نقدية غريبة، فصار المواطن مذبذبا أثناء استخدام العملة السوقية.
أُغلق الباب أمام الحوالات الخارجية مرات ومرات، وكلما فتح تم مضايقته، وأيضا تمت مضايقة شركات الصرافة بالداخل مرات عديدة، وانتشرت السوق السوداء برعاية الجماعة، فصار الاقتصاد أشبه بمستنقع، لا يثمر إلا لحفنة من التجار التابعين.
رابعا: اقتصاد الحرب من الجبهات إلى الثروات
لم تعد الحرب مجرد معركة سياسية أو عسكرية، بل أصبحت مشروعا اقتصاديا. كلما طالت الحرب، طالت معها أرباح الحوثيين. فقد أسسوا شركات واستثمارات في مجالات النفط، والاتصالات، والغذاء، تحت أسماء وهمية، أو واجهات مدنية، بينما يحرق الشعب في لهيب الجوع والبطالة.
إنه اقتصاد الحرب، حيث الجبهة مصدر رزق، والشهيد حسب ديانتهم وسيلة تعويض، والمآسي مشروع ثراء.
خامسا: سحق الطبقة المتوسطة وتجويع الفقير.
أعظم ما يدمر أي اقتصاد هو ضرب الطبقة المتوسطة، وهي عماد التوازن الاجتماعي. وقد سحقها الحوثي سحقا، فلم يعد الموظف يكفيه راتبه (إن وجد)، ولم يعد التاجر قادرا على المنافسة، وانهارت الخدمات، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وغابت الدولة عن السوق، وحضرت الجماعة بصفتها صاحب السوق، وسيد السعر.
أما الفقير، فقد أصبح مجرد رقم في تقارير المنظمات، ومادة للدعاية الإعلامية الحوثية، يستخدمونه وقت الحاجة، ويتركونه عند الضرورة.
سادسا: تحويل الزكاة من عبادة إلى آلة قهر.
لقد أسس الحوثي هيئة الزكاة، لكنها ليست هيئة شرعية، بل ذراع اقتصادي عنصري، تمارس الجباية باسم الدين، وتعيد توزيع الأموال وفق الطبقة السلالية، حتى أُظهروا نظام الخمس بطريقة مخالفة للشرع المطهر، وجعل لآل البيت سهم دائم من أموال الناس، بلا دليل، ولا ضمير.
وهكذا تحولت الزكاة من عبادة رحمة وتعاون، إلى وسيلة للنهب والاستقواء.
هذا هو الاقتصاد في زمن الحوثي: نهب باسم الجهاد، وجباية باسم الزكاة، وتجويع باسم الحصار، وسوق تحكمه العصابة، لا الشرع، ولا القانون. أفلس الوطن، وغرق المواطن، وتخمت البطون السلالية، ثم حدثونا عن المسيرة القرآنية!
أي مسيرة قرآنية هذه التي تجوع الناس؟ وأي ولاية هذه التي ينهب بها الوطن؟
(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).