لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(55)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الخامسة والخمسون: الحوثي والعزلة عن العالم: حصار داخلي في زمن الانفتاح
منذ سيطرة جماعة الحوثي بدأت اليمن تشهد تحولا تدريجيا في علاقاتها الدولية.
فقد عمدت الجماعة إلى تقوية علاقاتها مع دول محور الشر، مثل إيران وحزب الله، مما أدى إلى تراجع العلاقات مع الدول العربية والغربية. وفقا لتقرير أعده خبراء في الأمم المتحدة في نوفمبر 2024م، جاء فيه: لقد تحول الحوثيون من جماعة مسلحة محلية إلى منظمة عسكرية قوية توسع قدراتها التشغيلية بفضل دعم عسكري غير مسبوق من إيران وحزب الله.
وفي الداخل، فرضت جماعة الحوثي قيودا صارمة على وسائل الإعلام والصحفيين. وفقا لتقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2024، حيث تم اعتقال العديد من الصحفيين بتهم تتعلق بنقل معلومات مضادة للثورة، وتم إغلاق العديد من الصحف والقنوات التلفزيونية المستقلة.
وفي سبتمبر 2024م، قامت جماعة الحوثي باعتقال عدد من موظفي الأمم المتحدة العاملين في صنعاء، مما دفع الأمم المتحدة إلى تعليق أنشطتها في مناطق سيطرة الحوثي.
ووفقا لوكالة أنباء شينخوا، تم اعتقال الموظفين بتهم تتعلق بالتجسس، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة انتهاكا للقانون الدولي.
لقد أدت العزلة السياسية والاقتصادية التي فرضتها جماعة الحوثي إلى تفاقم الوضع المعيشي في اليمن.
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، تم تسجيل أكثر من 72 ألف حالة إصابة بالكوليرا في عام 2025م، مما جعل اليمن يحتل المرتبة الثالثة عالميا من حيث عدد حالات الكوليرا.
وقد دعا المجتمع الدولي مرارا وتكرارا إلى ضرورة إنهاء العزلة التي تفرضها جماعة الحوثي على اليمن.
وفي أكتوبر 2025م، أصدرت مجموعة من الدول الغربية بيانا مشتركا طالبت فيه جماعة الحوثي بالإفراج عن الموظفين المحتجزين وفتح المجال أمام المنظمات الإنسانية للعمل بحرية.
لم تقتصر العزلة التي فرضتها جماعة الحوثي على الجوانب السياسية والإعلامية فحسب، بل امتدت لتشمل الثقافة والتعليم.
ففي أغسطس 2025م، أغلقت سلطات الحوثيين في صنعاء المتحف الوطني ومتحف الموروث الشعبي بذريعة العجز المالي وعدم القدرة على تغطية النفقات التشغيلية، في وقت تخصص موارد ضخمة لاحتفالات طائفية كالمولد النبوي، مما يعكس نهجا معاديا للتاريخ الوطني وإهمالا للثقافة مقابل توظيف الأموال لأجندتها العقائدية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فرضت جماعة الحوثي قيودا على التجارة الخارجية وأغلقت العديد من المنافذ البحرية والجوية، مما أدى إلى نقص حاد في السلع الأساسية وارتفاع الأسعار. ووفقا لتقرير صادر عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي في أبريل 2025م، تراجع النشاط الاقتصادي بشكل كبير في مناطق سيطرة الحوثي، مما أثر سلبا على حياة المواطنين وزاد من معاناتهم.
وعلى المستوى الاجتماعي، سعت جماعة الحوثي إلى فرض نمط حياة يتماشى مع رؤيتها العقائدية، مما أدى إلى تهميش العديد من الفئات الاجتماعية.
ووفقا لتقرير صادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في سبتمبر 2025م، ارتفع معدل الجرائم في مناطق سيطرة الحوثي بنسبة 500% خلال العام الحالي، معظمها ارتكبت على أيدي قيادات وعناصر تابعة للجماعة، مما يعكس حالة من الفوضى والانفلات الأمني.
وعلى الصعيد الدولي، استمرت جماعة الحوثي في تبني مواقف معادية للمجتمع الدولي، حيث أعلنت عن مرحلة جديدة من التصعيد ضد دولة إسرائيل المحتلة، بما في ذلك استهداف شركات نفط أمريكية كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون، وذلك رغم وجود هدنات سابقة.
إن العزلة التي تفرضها جماعة الحوثي على اليمن تمثل تحديا كبيرا أمام جهود السلام والتنمية في البلاد.
فبينما يسعى العالم إلى تعزيز التعاون والانفتاح، تواصل الجماعة نهجها في التضييق على الحريات وقطع العلاقات مع المجتمع الدولي، مما يزيد من معاناة الشعب اليمني ويطيل أمد النزاع.