الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 275

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(31)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

الحلقة الواحدة والثلاثون: الحوثي والجامعات


الجامعة، في جوهرها، هي فضاء للعلم والمعرفة، ومكان لتنشئة الأجيال على التطلع، والبحث العلمي بنوعيه الشرعي والدنيوي، والانفتاح على ثقافات العالم، بعيدا عن التسييس والتحيز، ومجال لبناء مجتمع واع قادر على المساهمة في تطور وطنه. 

لكن في مناطق سيطرة الحوثيين، فقد تحول هذا الفضاء الحيوي إلى أداة من أدوات السيطرة السياسية، وتغريب الفكر، وتغذية الولاء للجماعة والسلالة، على حساب التعليم الأكاديمي المستقل والمعرفة الحقيقية.

لقد سيطر الحوثي على الجامعات بشكل ممنهج، فأصبحت جميع القرارات الإدارية والأكاديمية مرتبطة بالولاء السياسي، وليس بالكفاءة أو الأهلية العلمية. 

تم تعيين المسؤولين الجامعيين وفق ولائهم للجماعة، وتحولت المناصب العليا إلى مكافأة للموالين، لا لتكريم الكفاءات العلمية. 

وهكذا، أصبح الطالب يدرس في بيئة يغلب عليها الخوف، والتوجيه الطائفي، والضغط السياسي، بدل أن يدرس بحرية ويستفيد من البحث العلمي.

كما فرض الحوثي مناهج دراسية مشوهة في بعض التخصصات، حيث يتم توجيه الطلاب نحو الاطلاع على التاريخ والدين وفق رؤية الجماعة، مع تحريف الحقائق وإغفال ما يخالف أجندتهم الطائفية. 

وقد أصبح الطلاب يجدون أنفسهم أمام نظام تعليم يجعل من الولاء السياسي معيارا للنجاح الأكاديمي، ويضعف قدرة الجامعة على أداء دورها التربوي والثقافي الحقيقي.

في كثير من الجامعات، أصبحت المحاضرات والندوات ميدانا لترويج أفكار الجماعة، وتمجيد قياداتها، بدلا من تعزيز المعرفة والعلم. 

حتى الفعاليات العلمية والثقافية يتم توجيهها لدعم المشاريع السياسية، أو لزرع الولاء للطائفة، أو لفرض الرأي الواحد على جميع الطلاب. 

هذه السياسات أثرت على الوعي الأكاديمي، وأضعفت قدرة الطلاب على التفكير النقدي، وعلى التمييز بين الحقائق العلمية والسياسات الطائفية.

كما استخدم الحوثي الجامعات كأداة لتجنيد الشباب، فبدلا من أن تكون ساحات للعلم والمعرفة، صارت بيئة لتلقين الولاء، واستغلال الطاقات الطلابية في الأنشطة السياسية، والخدمة الجماعية للجماعة، وجمع التبرعات، أو دعم الجبهات المسلحة، مما حول التعليم إلى أداة لتوسيع نفوذ الجماعة على حساب أجيال المستقبل.

هذه السيطرة على الجامعات أدّت إلى هروب الكفاءات العلمية والأساتذة المتميزين من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما جعلت الطلاب أكثر عزوفا عن الدراسة الجامعية، وقلصت فرص الابتكار والبحث العلمي، وأوجدت جيلا يعيش تحت ضغط السلطة، لا يتعلم الحرية الفكرية ولا القدرة على النقد البناء.

ومع كل هذا، يظل التعليم الجامعي فضاء ممكنا لإحياء العلم والمعرفة، إن عولجت الجامعات من التسييس والتحريف، وأُعيدت الاستقلالية الأكاديمية.

فالجامعة الحقيقية هي التي تربي الأجيال على العلم والبحث والتفكير، لا على الولاء السياسي والطائفي.

إن تجربة الحوثيين مع الجامعات تمثل تحذيرا واضحا لكل من يسعى لاستقلال التعليم وبناء جيل واع: السلطة السياسية التي تسعى لتوجيه التعليم لأغراضها، تحول الجامعة من منارةٍ للعلم والمعرفة إلى أداة للتعبئة الطائفية وغسل العقول، وتستبدل البحث العلمي الحر بالدروس العقائدية التي تخدم فكر الجماعة. 

فبدل أن تكون قاعات الجامعة ساحات للحوار والنقاش، غدت منابر لتمجيد الولاية وفرض الولاء السياسي، وبدل أن يكافأ المتفوق بعلمه، يكرم المطيع بولائه. 

وهكذا تختطف عقول الشباب باسم التعليم، ويغتال المستقبل باسم الثورة، لتتحول الجامعات في مناطق الحوثيين إلى مصانع لإنتاج الأتباع لا القادة، وإلى أدوات لترسيخ الجهل المنظم بدل نشر الوعي.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام