لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(32)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الثانية والثلاثون: الحوثي وعنصرية السيد
في فكر الجماعة الحوثية تتجلى واحدة من أعتى صور العنصرية التي عرفها التاريخ اليمني المعاصر، وهي ما يمكن تسميتها بـعنصرية السيد، تلك الفكرة التي تجعل من الفرد المنتمي إلى السلالة الهاشمية المزعومة كائنا مقدسا فوق النقد والمساءلة، في حين يختزل الآخر -أي القبيلي- في دور التابع المنفذ الذي لا يسمح له بتجاوز حدود الخدمة والطاعة.
لقد رسخت هذه الجماعة في عقول أتباعها أن السيادة حق وراثي، وأن الولاية لا تكون إلا في آل البيت في أهم مفاصل الدولة، وأن الحكم والقرار لا ينبغي أن يخرج من دائرة السلالة مهما بلغت كفاءة الآخرين أو إخلاصهم للوطن والدين.
وهكذا تحولت الكفاءة إلى جريمة إذا لم تكن مصحوبة بالنسب، وصار الولاء للسيد هو معيار النجاة والقبول في دنياهم.
ولم تتوقف هذه العنصرية عند حد التنظير، بل تجلت بوضوح في مؤسسات الدولة والمجتمع، حيث احتكر السادة المواقع القيادية الحساسة، وأقصي أبناء القبائل من المناصب ذات القرار والتأثير، فصاروا وقودا للحروب ومصدرا للتبرعات، بينما يتربع السيد في مقعد القيادة والتوجيه.
أما في الحياة الاجتماعية، فقد تجلت الكارثة في أبشع صورها حين منع كثير من أبناء القبائل من مصاهرة من يسمون أنفسهم السادة، بحجة أن نسبهم أرفع من غيرهم، وكأنهم يحيون جاهلية جديدة في ثوب ديني كاذب.
بل وصلت الإهانة إلى حد أن ينظر إلى القبائل بعين الاحتقار، ويعاملون كخدم للسلالة، رغم أنهم عماد الأرض والناس، وركيزة اليمن الحقيقية في تاريخه الطويل.
إن هذه التفرقة ليست سوى إعادة إنتاج لنظام طبقي مريض، يناقض روح الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ليكسر قيود النسب والتمييز، إذ يقول كما ثبت عند احمد وغيره: (يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).
فأيّ تقوى فيمن يجعل معاملة الناس درجات بحسب أنسابهم؟ وأي إيمان فيمن يحتكر الحكم والفضل على أساس الدم والسلالة؟!
لقد كشفت التجربة الحوثية أن ما يسمى بعنصرية السيد ليست شعارا عابرا، بل هي عقيدة متجذرة في فكر الجماعة، بها يفسرون السياسة، ويعيدون ترتيب المجتمع، ويخضعون الناس باسم الدين. لكنها – في حقيقتها – جاهلية مغلفة بشعارات الولاية والاصطفاء، يراد بها السيطرة على العقول قبل الأبدان.
وما دام هذا الفكر قائما فلن يعرف اليمن عدلا ولا استقرارا، لأن المساواة لا تجتمع مع الطبقية، ولأن الوطن لا يبنى بدماء الناس لصالح سلالة، بل بعقولهم وسواعدهم جميعا، من أي نسب كانوا، ما داموا مواطنين أحرارا متساوين أمام الله ثم أمام القانون.
فعنصرية السيد ليست قضية نسب فحسب، بل قضية وطن يراد له أن يساق إلى العبودية من جديد، بعد أن حرره الإسلام قبل قرون من عبادة البشر للبشر.