الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 288

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(44)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

الحلقة الرابعة والأربعون: الحوثي وسرقة المساعدات الإغاثية


إن ما يحدث اليوم في اليمن ليس حربا أو صراعا على الأرض فحسب، بل هو نزاع على القيم، والمبادئ، والكرامة، والأمل. 

ومع كل قطرة دم تسقط، هناك سلة مساعدات تسرق، وهناك أطفال يتركون دون طعامٍ أو دواء، ووعود دولية من المفترض أن تنقذهم، لكنها غالبا ما تعبّأ في حقائب المصالح وسلم الولاء.

انطلقت الأزمة اليمنية بشكل جدي منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال الوطن، ومنها توسع الأمر ليشمل فرض سيطرات على المعابر والطرق والموانئ. 

منذ ذلك الحين، أصبحت المنظمات الإغاثية الدولية المتحدة وغيرها تطالب بآليات شفافة لتوزيع المعونات، حفاظا على حياديتها ونزاهتها.

تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2021 يبين أن السلطات الحوثية فرضت قيودا صارمة على المنظمات الإغاثية أعاقت تنفيذ نحو 87 مشروعا إنسانيا بسبب رفض منح الموافقات، أو بطء الإجراءات البيروقراطية في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة. 

تقرير آخر من هيومن رايتس ووتش بعنوان: تصاعد التهديدات للمجتمع المدني والمساعدات الإنسانية صدر في 16 يناير 2025، أكد أن الحوثيين زادوا من ممارسات الاعتقال التعسفي وعرقلة وصول المساعدات عبر التحكم في قوائم المستفيدين وفرض شروط وموافقات معقدة على المنظمات. 

وفي أبريل عام 2025م، أعلن برنامج الأغذية العالمي، أن الحوثيين استولوا على مستودع غذائي في محافظة صعدة، يقدر ما فيه من مساعدات بمبلغ 1.6 مليون دولار، مما دفع البرنامج إلى تعليق شحنات الطعام وتوزيعها في المناطق التي يسيطرون عليها. 

أيضا منظمة اليونيسف وعشرات المنظمات في 21 مايو 2025م نادت باتخاذ إجراءات فورية لوقف المأساة في اليمن، مشيرة إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 لم تمول إلا أقل من 10% مما هو مطلوب، ما أدى إلى جفاف في المعونات، خصوصا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. 

لكن كيف تسرق المساعدات وما هي الوسائل والأساليب؟

والجواب: أن الحوثيين يصرون أن يشاركوا في تحديد المستفيدين، مما يعني ولاء سياسيا مقابل المساعدة، أو حتى استبعاد المحتاجين الحقيقيين لعدم ولائهم. 
فقد ذكر تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2024 أن الجماعة تحاول السيطرة على قوائم المستفيدين من المساعدات وتحرفها لموالين لها.

وهناك كثير من المنظمات تروي أن التأخيرات في الموافقات تجعل المعونات تذبل قبل أن تصل. 

وقد صدر تقرير هيومن رايتس ووتش في 2020م بعنوان عواقب مميتة، جاء فيه: عرقلة المساعدات في اليمن خلال جائحة كوفيد-19، يبين أن هذه العقبات عطلت تقديم مساعدات صحية وغذائية لآلاف خلال الجائحة. 

وجاء في بعض التقارير أن الحوثيين كسروا اقفال كثير من المستودعات وقاموا بالاستيلاء على الأغذية والدواء، كما في حادثة مستودع صعدة عام 2025م. 

وكل هذه التصرفات من سرقة المساعدات أو تعطيلها لها آثار مضاعفة:
منها: أن ملايين اليمنيين، بينهم أطفال، يصبحون عرضة للمجاعة والأسقام، والنزوح الداخلي. 
فتأخر وصول الغذاء أو الحليب أو الأدوية يعني حياة أو موتا.

ومنها : ان ينظر الناس إلى مساعدات تمنح بحسب الولاء على أنها إذلال، وشعور بالظلم، وفقدان ثقة في أي جهة – محلية أو دولية – تفترض أنها تعمل الخير للجميع.

ومنها: الحوثيون بذلك يعززون من قبضتهم على السكان، ويجعلونهم يعتمدون على الجماعة إما لبقائهم على قيد الحياة أو لتجنب العقاب أو التهميش، ما يزيد من قدرته السياسية والعسكرية.

لقد أدى ضعف آليات المراقبة الدولية على الأرض، لا سيما في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة، إلى عدة آثار سلبية:

الأولى: انقسام المجتمع الدولي وتشتت الجهود نتيجة تعدد الجهات المانحة والمنظمات.

الثانية: التأخر في فرض العقوبات الرادعة ومتابعة المساءلة القضائية، مما شجع الحوثيين على الاستمرار في انتهاكاتهم.

الثالثة: تعقيد البيئة الأمنية، التي يصعب معها إيصال المساعدات، بينما يصبح تحويلها أو استغلالها أكثر سهولة مع قلة المحاسبة.

ونقترح في الوقت الحالي في ظل وجود هذه الميليشيا المارقة ما يأتي: 

أولا: إنشاء فرق مراقبة محايدة، دولية ومحلية، تؤمن أمان الأشخاص القائمين على المراقبة، وتقدم تقارير دورية تنشر لعامة الناس.

ثانيا: اجراءات شفافة في قوائم المستفيدين: مثل كشف أسمائهم، وتأكيد وجودهم، وإشراف من منظمات غير منخرطة في الصراع.

ثالثا: ربط التمويل الدولي بشروط التوزيع العادل، بحيث توقف المساعدات إذا كانت هناك تجاوزات واضحة، حتى يتعاهد من يتسلمها ألا يتحول توزيعها إلى وسيلة قمع أو تمييز.

رابعا: دعم البنية التحتية والمنافذ اللوجستية المفتوحة، وضغط دولي لتأمين الطرق والموانئ وتسهيل مرور المساعدات بدون عراقيل.

والحاصل: أن ما يسرق من المساعدات لا يقاس بالدولار فحسب، بل يقاس بالقلب الجائع، بالأم التي لا تعطي طفلها ما يشبع به جوعه، بالأمل الذي يدمر حين تراول البذور قبل أن تنبت. 

إن سرقة جماعة الحوثي وكذا لعبة السلطة والمناورات السياسية، تقوم بتحويل الغذاء - الذي وجد ليكون حقا خيريا - إلى أداة في معركة لا تنتهي، معركة تتجاوز حدود النزاهة لتصبح صراعا على النفوذ والسيطرة. 

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمامنا كمجتمع وكأفراد يرفضون استغلال معاناة البشر لأهداف سياسية أو عسكرية: ألا ندع هؤلاء يحققون انتصارهم في هذه المعركة المظلمة.

إن واجبنا اليوم أكبر من الشجب أو التنديد؛ فهو مهمة جماعية تحتم علينا الدفاع عن حقوق الناس، واستعادة ما يسلب منهم من أبسط مقومات الحياة. 

الحقوق قابلة للاسترداد، والعدالة لا تزال ممكنة التحقيق، إذا ما توحدت الإرادات وصرنا يدا واحدة نطالب بحقوق المحتاجين.

كما يجب أن نؤكد أن المساعدات الإغاثية التي وجدت لرفع الجوع ومعالجة المعاناة، ليست سلعة أو ورقة ضغط في لعبة السياسة، بل هي أمانة في أعناقنا جميعا، أمانة يجب أن تقدم لأهلها بلا تأخير ولا تحريف. 

إنها وسيلة لإنقاذ الأرواح، وليس أداة لحفظ مصالح فئة على حساب أخرى. 

فواجبنا أن نضع الإنسان أولا، وأن نرفض أي محاولات لاستغلال المأساة في معارك لا يعرف فيها الجوع والمرض رحمة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام