لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(51)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الواحدة والخمسون: الحوثي وإنشاء الحسينيات والحوزات في اليمن: هندسة التشيع وتغيير الهوية
منذ أن تمددت جماعة الحوثي في المناطق اليمنية لم تكن الحرب بالنسبة إليها صراعا على السلطة، بل مشروعا لتغيير البنية الفكرية والدينية للمجتمع اليمني.
فالسلاح كان طريقا إلى الحكم، أما الحسينيات والحوزات فكانت طريقا إلى القلب والعقل.
أراد الحوثي أن يعيد صياغة الإنسان اليمني على مذهب دخيل لم يعرفه تاريخ اليمن السني الوسطي، وأن يحول البلاد من فضاء للزهد والاعتدال إلى ساحة لطائفية مستوردة من قم والنجف.
تشير تقارير مركز أبعاد للدراسات والبحوث الصادرة عام 2020م إلى أن الجماعة أنشأت منذ انقلابها عشرات الحسينيات في مناطق سيطرتها، معظمها في صنعاء وصعدة والحديدة وذمار، تتبع إداريا لمؤسسة تعرف باسم الهيئة الثقافية لأنصار الله.
وقد جرى تمويل هذه الحسينيات من أموال الزكاة والضرائب التي تفرضها الجماعة، فضلا عن الدعم الإيراني المباشر عبر سفارات طهران وواجهاتها الخيرية.
ولم تكن الحسينيات مجرد دور عبادة، بل صارت منابر سياسية تعبئ الشباب بفكر الولاية والثأر للحسين، وتغرس فيها عقيدة الاصطفاء السلالي التي تميز آل البيت عن سائر اليمنيين.
وقد وثق تقرير مركز العاصمة الإعلامي في فبراير 2022م أن الحوثيين أجبروا خطباء المساجد على حضور دورات فكرية في الحوزات التي أقيمت داخل المدارس والجامعات، تحت إشراف قيادات إيرانية ولبنانية، بهدف إعادة صياغة الخطاب الديني ليتناسب مع نهج الولاية.
وفي صنعاء وحدها، رصدت تقارير ميدانية صادرة عن منظمة سام للحقوق والحريات عام 2021م افتتاح ما لا يقل عن 37 مركزا تعليميا حوزويا، بعضها يحمل أسماء رمزية مثل حوزة زين العابدين، وحوزة الإمام الهادي، وتدرس فيها كتب مثل اللمعة الدمشقية ونهج البلاغة وبحار الأنوار، وهي من المراجع الأساسية في الفكر الشيعي الإثني عشري.
ولم يقتصر الأمر على الرجال، بل امتد إلى النساء، حيث أنشئت حوزات نسائية في صنعاء وصعدة يديرها نساء من سلالة الحوثي، لتلقين النساء فكر الزهراء والولاية كما يسمونه، وتجنيدهن في ما يعرف بالزينبيات.
أما في محافظة صعدة، فقد تحولت المدينة إلى ما يشبه قم اليمنية، فمنذ عام 2016م، تم إنشاء جامعة الإمام الهادي كمؤسسة حوزوية كبرى بإشراف مباشر من مكتب عبدالملك الحوثي، لتكون المرجعية الدينية العليا للجماعة، وفق ما أكده تقرير المنتدى اليمني للحريات الصادر في يوليو 2019م.
وتقام في هذه الجامعة الدروس الحوزوية على يد أساتذة تلقوا تعليمهم في قم، ويدرب فيها طلاب يمنيون ليصبحوا دعاة لفكر الولاية في المحافظات الأخرى.
ومع كل عام عاشوراء، تتحول شوارع صنعاء وعمران والحديدة وإب وغيرها إلى مجالس عزاء حسيني، ترفع فيها الرايات السوداء، وتبث الخطب التي تمجد الإمام الحسين بطريقة طائفية لا يعرفها التراث الزيدي المعتدل.
بل إن وزارة الأوقاف والإرشاد الخاضعة للحوثيين أصدرت عام 2022م تعميما يلزم خطباء الجمعة بالحديث عن مظلومية الحسين في خطبهم، في سابقة لم تعرفها اليمن منذ دخولها الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.
هذه السياسة الدينية الجديدة ليست مجرد ممارسة مذهبية، بل مشروع لتغيير هوية اليمن الجامعة. فاليمن، الذي كان يوما مهد العلم ومأوى المدارس السنية، صار اليوم ميدانا لحوزات تغرس الولاء لإيران، وتعلم الشعب أن ولاية الفقيه امتداد لولاية الأئمة.
لقد أراد الحوثي أن يكتب التاريخ بمداد الطائفة لا بمداد الأمة، وأن يستبدل الأذان بصدى اللطم، والمنبر بخطاب العزاء.
إن إنشاء الحسينيات والحوزات ليس ظاهرة دينية بريئة، بل خطة منظمة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، لتصبح الطائفية مبررا للسلطة، ويغدو الولاء للمذهب شرطا للبقاء.
وهكذا، كما صادر الحوثي الغاز والنفط والاقتصاد، صادر اليوم روح اليمن وثقافته وإسلامه الوسطي، ليصنع من البلاد نسخة باهتة من قم، ومن الإنسان اليمني وقودا لمشروع لا يمت إلى اليمن إلا بحدوده الجغرافية.
وإن التاريخ سيذكر، أن الحسينيات التي بناها الحوثي لم تكن بيوتا للعبادة، بل مقامات لطمس الهوية، وأن الحوزات التي أنشأها لم تكن مدارس علم، بل مصانع لتكريس العبودية الفكرية باسم الدين.
فالحرب في اليمن لم تعد حرب سلاح فقط، بل حرب عقيدة على هوية أمة.