الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 495

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(37)
 بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

الحلقة السابعة والثلاثون: الحوثي ويوم الغدير


يوم الغدير ليس يوما عاديا في ذاكرة الحوثيين، بل هو عندهم عيد الأعياد كما يصفه زعيم الميليشيا الحوثية عبدالملك الحوثي، يحيونه كل عام بطقوسٍ طائفية ضخمة، تنضح بالتحريف والغلو، وتراد منها إعادة تشكيل هوية اليمنيين الدينية على أسس سلالية مقيتة، تلبس التاريخ ثوب الكذب، والدين قناع السياسة.

منذ سيطرت جماعة الحوثي على اليمن، تحول يوم الثامن عشر من ذي الحجة إلى موسم دعائي ضخم، تغلق فيه المدارس والوزارات، وتعلق الشعارات في الشوارع، وتفرض الإتاوات على التجار تحت ذريعة الاحتفال بولاية علي، بينما يجبر الموظفون والطلاب على الحضور القسري لتجمعات طائفية تلقى فيها خطابات تمجد آل البيت وتهاجم الصحابة، وتعاد صياغة التاريخ على مقاس المشروع الحوثي.
وقد وثق تقرير وزارة الأوقاف اليمنية عام (2020م) أن الحوثيين جعلوا من يوم الغدير عيدا رسميا في مؤسسات الدولة بمناطق سيطرتهم، مخالفين بذلك هوية اليمن الإسلامية السنية، ومستخدمين أدوات الدولة لفرض طقوس مذهبية بالقوة.

وليس هذا المشهد بدعا من الحوثيين وحدهم، بل هو امتداد لغلو فارسي قديمٍ في تأويل حادثة تاريخية جليلة وقعت في طريق عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع عند ماء يقال له غدير خم، حيث خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس وقال كما ثبت عند الترمذي وغيره: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).

لكن ما معنى (مولاه)؟
لقد أجمع أهل السنة أن معنى مولاه: حبيبه ونصيره، وليس بمعنى: الإمامة والسيادة.

فالحديث ورد بعد شكوى بعض الصحابة من عليّ في اليمن، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين فضل علي، لا أن ينصبه خليفة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بالإمامة في غدير خم، وإنما أراد بيان وجوب محبته ونصرته، ولذلك لم يفهم الصحابة من قوله ولاية الإمامة، ولم يبايعوه بعد النبي على ذلك.

أما الشيعة الإمامية، فقد حملوا النص ما لا يحتمل، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب عليا خليفة في ذلك اليوم، وجعلوه أصلا من أصول الدين، ثم أطلقوا عليه عيد الغدير، وهو ما لم يعرف في القرون الثلاثة المفضلة، ولا في كلام أحد من الصحابة أو التابعين.
بل صرح الإمام ابن كثير وغيره من أئمة الإسلام: أن هذا اليوم لم يكن عيدا قط، وأن اتخاذه عيدا بدعة أحدثها الروافض بعد قرون طويلة.

وقد أكد أهل الحديث والتحقيق أن روايات الشيعة الأخرى في هذا الباب مختلقة وغالية، لا تثبت سندا ولا معنى، وأنها ظهرت أول ما ظهرت في القرن الرابع الهجري، زمن الدولة البويهية التي كانت تميل إلى التشيع، ومنها انطلقت شعائر الغدير.

وفي العصر الحديث، استغل الحوثيون هذا الموروث الشيعي لتثبيت شرعيتهم المذهبية في اليمن، فحولوا المناسبة إلى إعلان ولاء سياسي لزعيمهم، تحت شعار (من كنت مولاه فهذا وليه).
وقد أشار تقرير مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بصنعاء عام (2021م) إلى أن الجماعة تنفق سنويا ملايين الريالات من أموال الدولة لتنظيم فعاليات الغدير، وتفرض على القطاعين العام والخاص مساهمات مالية إجبارية، في مخالفة صريحة للقانون والدستور.

وفي العام 2022م، رصدت منظمة رصد للحقوق والحريات أن الحوثيين اعتقلوا عشرات من المواطنين في صنعاء وإب وصعدة بتهمة ازدراء الغدير، لمجرد رفضهم المشاركة في الاحتفالات، بل أُجبر بعض الأئمة على تلاوة خطب مكتوبة تمجد (ولاية علي)، وأُغلقت مساجد خطباء السنة في اليوم ذاته.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل جرى توظيف يوم الغدير في المدارس الحكومية. 

فقد ذكر تقرير منظمة سام للحقوق والحريات عام (2023م) أن الجماعة تدرس الأطفال في المناهج المعدلة بأن يوم الغدير هو يوم تنصيب علي خليفة للنبي، وأن من أنكره فهو منكر للولاية، في محاولة لغسل أدمغة النشء وتحويل الولاء من الوطن إلى السلالة.

ومع حلول عام 2024م، بات يوم الغدير مناسبة رسمية في مناطق سيطرة الحوثيين، ترفع فيها صور زعيم الجماعة، وتطلق فيها الهتافات التي تمزج الدين بالسياسة، ويعاد توزيع البركات والعطايا المأخوذة من جيوب الناس تحت شعار المجهود الحربي، كما رصد ذلك تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان عام (2024م).

أما العام 2025م، فقد وثق موقع يمن مونيتور (أغسطس 2025م) أن الحوثيين فرضوا إغلاقا شاملا في العاصمة صنعاء وعدة محافظات في يوم الغدير، وأقاموا استعراضات عسكرية تحت شعار بيعة الولاية، وتضمنت الخطب الرسمية هجوما على الصحابة وعلى أهل السنة، مع تصوير المناسبة وكأنها تصحيح لمسار الإسلام.

إن يوم غدير خم ثابت الوقوع، لكنه ليس عيدا ولا يوم ولاية، وإنما مناسبة لتأكيد فضل علي رضي الله عنه، كما فضل ابو بكر وعمر وعثمان وغيرهم في مناسبات أخرى باحاديث أخرى، كما بين ذلك العلماء المتقدمون والمتأخرون.
فكل ما يفعله الحوثيون في هذا اليوم من مظاهر الفرح، والإنشاد الطائفي، وتقديس الزعيم، ما هو إلا بدعة محدثة، تستغل لإحياء نزعة سلالية وإحياء فكر الولاية الرافضي الذي خالف إجماع الأمة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

إن الاحتفال بيوم الغدير عند الحوثيين ليس عبادة ولا حبا لعليّ رضي الله عنه، بل هو استثمار سياسيّ لفكرةٍ محرفة، يراد بها تكريس الانقسام الطائفي وتقديس الحكم الوراثي باسم الولاية.

لقد أحب أهل السنة عليا، ووالوه، وأكرموه، ولكنهم لم يعبدوه، ولم يجعلوا من محبته ذريعة لسب الصحابة، أو لتأليه السلالة.
وليعلم كل مسلم أن عليا رضي الله عنه كان يقول – كما في صحيح البخاري: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام