لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(45)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الخامسة والأربعون: الحوثي وعرقلة تطوير وتقدم اليمن
لم تر اليمن خيرا منذ سيطرة الحوثيين على مفاصل الحكم، فمنذ ذلك الحين واليمن يعيش تحت ظلال كثيفة من الدخان والخذلان.
حيث تبدلت ملامح البلاد، وتبددت أحلام التنمية، ودخل اليمن مرحلة حالكة من التراجع على كل المستويات، لا ترى فيها سوى أنقاض مشروع دولة كانت تتطلع إلى النهوض.
منذ ذلك التاريخ، تحول شعار (الموت لأمريكا) الذي رفعه الحوثي إلى واقع مر تجرعه المواطن اليمني في خبزه ودوائه ومدرسته ومستشفاه.
فالجماعة، بحسب تقرير الأمم المتحدة الصادر في يناير 2021م، تصرفت كدولة داخل الدولة، واحتكرت مؤسسات الحكم والموارد العامة لصالح مجهودها الحربي حتى أصبحت التنمية في اليمن رهينة بيد السلاح والعقيدة المؤدلجة.
ولذلك نجد في المناطق التي خضعت لسيطرة الجماعة، تعرضت البنية التحتية دمارا ممنهجا.
فقد ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2020م : أن الحوثيين عرقلوا وصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين وفرضوا قيودا قاسية على عمل المنظمات الإغاثية.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير البنك الدولي الصادر في يونيو 2021م إلى أن حوالي 45% من المنشآت الصناعية في صنعاء وصعدة توقفت كليا أو جزئيا بسبب سيطرة الحوثيين على موارد الطاقة وفرض الجبايات.
وأُغلقت مصانع الأسمنت في عمران وصنعاء، وتحول العمال إلى عاطلين ينتظرون طوابير المساعدات.
وأما الصحة، فقد نزفت حتى الرمق الأخير.
ففي تقرير منظمة الصحة العالمية عام (2022)، ورد أن أكثر من نصف المنشآت الصحية في اليمن باتت خارج الخدمة، وأن جماعة الحوثي تمنع أحيانا فرق التطعيم من الوصول إلى بعض المحافظات بحجة الاعتبارات الأمنية أو المذهبية.
وقد توقفت حملات التطعيم ضد شلل الأطفال عام 2020م في محافظات حجة والحديدة وصعدة، مما تسبب بعودة المرض بعد أن كان قد أُعلن القضاء عليه قبل أعوام.
وأما التعليم، فقد تكسرت أقلامه على صخرة الجهل والهيمنة الفكرية.
فبحسب تقرير منظمة اليونيسف الصادر في ديسمبر 2021م، فإن أكثر من مليوني طفل يمني خارج المدرسة، وأرجع التقرير السبب إلى انعدام المرتبات للمعلمين منذ 2016م، واستخدام الحوثيين المدارس لأغراض عسكرية أو لتلقين أفكار طائفية.
وتوقفت طباعة الكتب المدرسية في مناطق سيطرة الجماعة، واستبدلت المناهج بأخرى محورة تكرس فكر الجماعة وتاريخها المؤسطر، حتى صار التعليم أداة للولاء لا للمعرفة.
وأما الاقتصاد اليمني، فقد سقط صريع الحصار الداخلي قبل الخارجي.
ففي عام 2019م، أشار تقرير لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة إلى أن جماعة الحوثي استولت على إيرادات الضرائب والجمارك في ميناء الحديدة ورفضت توريدها إلى البنك المركزي بعد نقله إلى عدن.
وبعد أن كانت صادرات النفط تمثل 70% من إيرادات الدولة، توقفت تماما في بعض الفترات بسبب الهجمات الحوثية على الموانئ والمنشآت النفطية في حضرموت وشبوة.
وانهارت العملة اليمنية إلى مستويات غير مسبوقة، فيما يعيش الموظفون بلا رواتب.
ولم تسلم مشاريع الإعمار من أيدي العبث الحوثي؛ إذ أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2021م إلى أن عدة مشاريع لإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس في عدن وتعز أوقفت بسبب الهجمات الحوثية المباشرة أو بسبب عرقلة تصاريح العمل.
ومن بين الأمثلة البارزة، مشروع إعادة تأهيل مستشفى عدن العام الذي تضرر في قصف حوثي عام 2016م، ما أدى إلى توقفه قبل أن يعاد افتتاحه بدعم سعودي بعد سنوات من التعطيل.
ورغم قتامة المشهد، واصل دول الجوار محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في تقريره السنوي لعام 2023 تنفيذ 227 مشروعا في قطاعات التعليم والصحة والطاقة والمياه بتكلفة تجاوزت 861 مليون دولار أمريكي.
كما ساهمت دولة الإمارات في إعادة إعمار المدارس والمستشفيات في الساحل الغربي، فيما قدمت الكويت مساعدات تجاوزت 250 مليون دولار خلال الفترة (2015 - 2022)، بحسب تقرير جمعية الهلال الأحمر الكويتي.
اليمن اليوم يقف على مفترق طرق عسير؛ فإما أن يستعاد مشروع الدولة ويعاد بناء ما هدمته الحرب، أو يظل البلد غارقا في دوامة الصراع.
ويتطلب ذلك – كما يشير تقرير البنك الدولي عام (2023) – جهودا منسقة بين الحكومة الشرعية والقطاع الخاص والمجتمع الدولي لإعادة الخدمات العامة واستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني.
إن جماعة الحوثي، سواء بدافع عقائدي أو ضمن لعبة سلطوية محكمة، قد جعلت من التنمية خصما ومن التقدم عدوا.
فكل مدرسة تغلق، وكل مستشفى يقصف، وكل مشروع يعرقل، هو طلقة في صدر وطن كان يحلم أن ينهض.
لكن التاريخ لا ينسى، والعدالة لا تموت، وسيأتي يوم يسأل فيه الحوثي عن كل مصنع دمر، وكل طفل جاع، وكل فكرة خنقت في مهدها.
فاليمن – وإن طال ليله – سيعود فجره، وسيبقى أبناؤه أوفياء لحلمه الكبير: أن يبنى لا أن يهدم، وأن يعمر لا أن يستعبد.