لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(62)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الثانية والستون: الحوثي والكذب: استراتيجية التضليل والتلاعب بالوعي
منذ أن انقضت جماعة الحوثي على السلطة تغير وجه الحقيقة في اليمن، وصار الكذب سياسة، والتضليل عقيدة، والخداع وسيلة للوصول إلى الغايات.
لم تكتف الجماعة بالبندقية والصرخة، بل جعلت من الكلمة المزورة سلاحا آخر، تغرسه في العقول والضمائر.
لقد أتقنت حرفة تزوير الوعي حتى غدت الأكاذيب عندها منهج حكم، وأداة تبرير، وجدارا تستتر خلفه جرائمها.
فمنذ اللحظة الأولى لسيطرتها على العاصمة، شرعت أذرعها الإعلامية – وفي مقدمتها قناة المسيرة – في صناعة عالم مواز من الأوهام والانتصارات الوهمية، تبث فيه الأخبار كما يبث السم في العسل.
تقارير عن فتوحات عسكرية لا وجود لها، وأرقام خيالية عن هزائم للخصوم ما أنزل الله بها من سلطان، وبيانات عن تأييد شعبي لا يعرفه إلا من يعيش تحت سطوة الخوف والسلاح.
لقد أرادت الجماعة أن تعيد تشكيل وعي اليمنيين، وأن تحجب عنهم ضوء الحقيقة، وأن تجعل من الكذب ستارا تغطي به عوراتها السياسية والعسكرية.
يقول تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر عام 2022م إن الإعلام الحوثي اعتمد على منهج التلاعب بالمعلومات وتزييف الحقائق لإحكام السيطرة الفكرية على المجتمع، وهي شهادة دولية تكشف كيف حول الحوثيون الإعلام إلى منبر للدجل السياسي.
لكن أكاذيبهم لم تقف عند حدود الشاشات، بل امتدت إلى قلوب من يفضحونها.
فكان الصحفي اليمني أول من دفع ثمن الكلمة الصادقة. سجون امتلأت بالأقلام، ومنافي ضاقت بالمنفيين، ومشانق من الصمت تعلق في حناجر من أرادوا أن يقولوا الحقيقة.
في عام 2025م، ذكرت مراسلون بلا حدود أن اليمن تراجع إلى المرتبة 167 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة، مشيرة إلى أن جماعة الحوثي تتحمل المسؤولية الكبرى في قمع الإعلاميين وتعذيبهم.
لقد صار القلم في مناطق سيطرتهم جريمة، والحقيقة تهمة، والسكوت ملاذا من بطش لا يرحم.
ولم يكن التضليل عند الحوثيين مجرد كذب إعلامي، بل تحول إلى سلاح نفسي موجه ضد العدو والداخل معا.
في خضم المعارك، كانوا يعلنون مقتل قادة وهميين أو أسر جنود لم يؤسروا قط، ويشيعون روايات عن بطولات زائفة ليغذوا حماس مقاتليهم أو ليزرعوا الخوف في نفوس خصومهم.
بل ذهبوا أبعد من ذلك حين روجوا – عبر بيانات رسمية – لاستخدام التحالف العربي لأسلحة دمار شامل، في محاولة لاستدرار التعاطف الدولي، وإلباس أنفسهم ثوب الضحية.
وقد وثق تقرير مجموعة الخبراء الدوليين والإقليميين بشأن اليمن الصادر عن الأمم المتحدة عام 2023م استخدام الحوثيين للدعاية المضللة بشكل واسع لتزييف الحقائق حول سير العمليات العسكرية.
أما في المجال الإغاثي، فقد تجلى الكذب في أقبح صوره.
حين ضاقت بطون الجائعين، وجاءت المساعدات الدولية تسعى لتخفيف الألم، تحول الحوثي إلى وسيط للنهب باسم الرحمة.
عبث بقوائم المحتاجين، ووزع الغذاء على الموالين، وجعل الجوع وسيلة للابتزاز السياسي.
في تقرير رسمي لبرنامج الغذاء العالمي، صدر في مايو 2024م، كشف عن مئات الحالات من الفساد والتلاعب في مناطق سيطرة الجماعة، حيث كانت الشحنات الغذائية تحول من مستحقيها إلى مخازن تتبع قيادات حوثية، أو تباع في الأسواق السوداء.
وهكذا تحولت لقمة الفقير إلى غنيمة حرب يستثمرونها لتدعيم نفوذهم.
ولأن الكذب حين يستشري لا يقف عند حد، فقد تجاوزت الجماعة حدود الدنيا إلى العبث بالدين نفسه.
عمدت إلى تحريف النصوص وتأويل الآيات على مقاس أطماعها السياسية، وألبست الظلم لباس الجهاد، والنهب ثوب الزكاة، وسعت إلى زرع مفاهيم جديدة في وعي الناس تخدم سلطانها.
خطباء منسوبون إليها يروجون في المساجد لفكرة الولاية الإلهية، ويصفون مخالفيهم بأنهم أعداء الله، بل وصل الأمر إلى تكفير العلماء والمفكرين الذين رفضوا الانخراط في مشروعهم.
وقد وثق تقرير هيئة علماء اليمن الصادر في صنعاء عام 2023م هذه الانحرافات، مؤكدا أن الجماعة تستخدم الدين غطاء سياسيا، وتشوه مفاهيم القرآن لخدمة أغراضها السلطوية.
هذا الانحراف في الخطاب الديني ترافق مع حملة منظمة لتشويه سمعة العلماء الأحرار. فمن لم يبارك مشروعهم كان عندهم خائنا، ومن دعا إلى وحدة الكلمة صار مرتدا، ومن دعا إلى السلم اتهم بأنه صوت العدوان.
وهكذا، صار الكذب عندهم عقيدة، والدين وسيلة، والحق غريبا في وطن يئن من التزييف.
أمام هذا المشهد المظلم، لم يلتزم العالم الصمت.
فقد صدرت إدانات متكررة من منظمات حقوقية وإعلامية دولية، ومن مؤسسات دينية داخل اليمن وخارجه، تندد بسياسة الكذب والتضليل.
وأكدت بيانات منظمة العفو الدولية لعام 2024م أن ما تقوم به الجماعة من تكميم للأفواه وتزييف للدين يرقى إلى مستوى الجرائم المنهجية في حق الوعي الإنساني.
كما شددت هيئة علماء اليمن على أن من يستخدم القرآن لتبرير الظلم، فهو من الذين قال الله فيهم: (يشترون بآيات الله ثمنا قليلا).
وقد انعكست هذه السياسات على المجتمع اليمني في صميمه، فتمزق النسيج الوطني، وانقسم الناس بين خاضع للدعاية الحوثية ومكابر للحقيقة، وبين من صدق الأكاذيب وبين من لم يعد يثق بأي خبر.
لقد جعل الحوثي من الكذب جدارا بين اليمني وأخيه، وبين اليمني وحقيقته، حتى صار المجتمع يعيش حالة من الغربة داخل نفسه.
واليوم، يقف اليمن أمام تحد مصيري: كيف يستعيد وعيه المسلوب؟ كيف يطهر سمعه من ضجيج الأكاذيب؟
إن مواجهة التضليل ليست معركة إعلامية فحسب، بل هي معركة دين ووعي وأخلاق وتربية.
لا بد من مؤسسات إعلامية تنقل الحقيقة بلا خوف، ولا بد من برامج تعليمية تغرس في الناشئة روح النقد البناء والبحث، ولا بد من مشروع وطني يعيد الاعتبار للصدق في القول والفعل.
إن أكاذيب الحوثيين لم تعد مجرد دعاية عابرة، بل صارت خطرا يهدد هوية اليمن الدينية والوطنية.
فحين تستخدم الأكاذيب لتشويه الدين، وتمتزج الخرافة بالسياسة، يختل ميزان القيم، وتطفأ مصابيح الحقيقة.
إن الصمت أمام هذا الخطر مشاركة في الجريمة، وإن التهاون في كشفه خيانة للوعي.
ولذلك، فإن إنقاذ اليمن من قبضة التضليل يبدأ بإحياء الكلمة الصادقة، وإحياء الضمير الذي لا يبيع الحقيقة بثمن من الخوف أو المصلحة.
لقد آن للأصوات الصادقة أن تتكلم، وللأقلام المكممة أن تعود.
فالتاريخ لا يرحم من كذب، ولا يغفر لمن ضلل، والحق – وإن طال ليله – لا بد أن يطلع فجره، كما قال الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).
وسيعلم الحوثي - كما علم كل من سبقه من الطغاة - أن الكذب مهما تجمل، فلن يغير وجه الحقيقة، ولن يخفي زيفه عن الله ولا عن التاريخ.