القلب بين الحياة والموت والمرض
ضمن سلسلة مدخل إلى السير إلى الله (3/10)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
امتلأت القلوب بالغفلة، وغطتها الشهوات، ونازعتها الأهواء، حتى صار كثير من الناس لا يعرف من الدين إلا مظاهره، ولا من العبادة إلا شكلها، بينما القلب الذي هو ملك الجسد قد غاب عن الميدان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:
(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فصلاح القلب هو أصل كل صلاح، وفساده هو بداية كل انحراف.
والناس في قلوبهم على ثلاثة أحوال: قلب حي، وقلب ميت، وقلب مريض.
فأين قلبك من هذه الأنواع الثلاثة؟
القلب الحي
هو الذي امتلأ إيمانا ويقينا، فصار يرى بنور الله، ويسمع بميزان الحق، ويخضع لآيات القرآن كأنها تخاطبه وحده.
قال الله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).
القلب الحي هو الذي إذا ذكر الله وجلت جوارحه، وإذا تليت عليه آياته زادت إيمانه، كما قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا).
وفي الحديث الصحيح عند مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا).
فالإيمان عند القلب الحي ليس معلومة ذهنية، بل حياة كاملة، نبضها ذكر الله، وغذاؤها القرآن، ودواؤها التوبة.
قال العلماء: القلب الحي يشبه الأرض الطيبة، كلما نزل عليها المطر أنبتت بإذن ربها، فكذلك القلب إذا نزل عليه وحي الله أخرج أنوارا من الطاعة والخشوع.
القلب الميت
هو الذي انقطع عن الله، فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما وافق هواه.
هو قلب أغلق بابه أمام النور، وفتح نوافذه للشهوة والهوى.
قال الله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه).
فالقلب الميت هو الذي استسلم للهوى حتى لم يعد يشعر بذنبه، ولا يتألم لمعصيته.
يرى الحرام عادة، والمنكر زينة، والمعصية حرية.
يمر بآيات الوعيد فلا يخشى، ويذكرونه بالله فلا يتأثر، لأنه فقد الإحساس الروحي كما يفقد الجسد الإحساس بعد الموت.
قال أهل البصيرة: علامة موت القلب ألا يحزن على ما فاته من الطاعات، ولا يندم على ما ارتكب من المعاصي.
القلب المريض
هو الذي ما زال فيه نبض من الإيمان، لكن تحيط به أمراض الشبهات والشهوات.
يسمع الآيات فيخشع، ثم يلهو فيغفل، يطيع يوما ويعصي أياما.
ومرض القلوب نوعان:
مرض شبهة، ومرض شهوة.
فمرض الشبهة يفسد الفهم والعقيدة، ومرض الشهوة يفسد الإرادة والعمل.
ومن أعظم ما يمرض القلوب طول الأمل، واتباع الهوى، والغفلة عن ذكر الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(تعرض الفتن على القلوب...، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء...).
فدواء القلب المريض يكون بالتوبة الصادقة، وكثرة الذكر، وصحبة الصالحين، وسماع الموعظة، ومداومة الطاعة، حتى يستعيد عافيته.
أسباب موت القلوب
تموت القلوب حين تغيب عنها المراقبة، ويستولي عليها حب الدنيا، وتغيب عنها لحظة الوقوف بين يدي الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله).
ومن أسباب موت القلب: كثرة الذنوب، والغفلة عن الذكر، وترك الصلوات، وسوء الصحبة.
قال الله تعالى: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله).
فالقلب لا يموت فجأة، بل يضعف شيئا فشيئا مع كل ذنب، حتى يغلفه الران كما قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
كيف نحفظ حياة القلب
القلب لا يحيى إلا بالاتصال الدائم بالله.
قال الله تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
فمن أراد قلبا حيا فليكثر من الذكر، وليداوم على تلاوة القرآن، وليتصدق سرا، وليجالس الذاكرين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده).
وقال أيضا في الحديث المتفق عليه: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
فالقلب لا يحيا بالقفزات، بل بالدوام، ولا بالإكثار المفاجئ، بل بالثبات على القليل.
كل سجدة خاشعة تحيي جزءا منه، وكل دمعة صادقة تغسل طبقة من قسوته، وكل صدقة خفية تزرع فيه نورا جديدا.
والحاصل: أن القلوب ثلاثة: قلب حي يحب الله ويخشاه، وقلب ميت أعرض عنه، وقلب مريض بين بين.
فمن أراد أن يعرف حاله فلينظر إلى حاله مع القرآن والذكر، فإن كان يأنس بهما فقلبه حي، وإن كان يملهما فقلبه مريض، وإن كان يعرض عنهما فقلبه ميت.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، واللفظ لمسلم: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر)، في حديث همام بدل (المنافق: الفاجر).
فاختر أي قلب تريد أن تكون، قلبا مطمئنا يضيء نورا، أم قلبا ميتا لا يشعر ولا يستجيب.
وابدأ من الآن بإنعاش قلبك قبل أن يقال: قد مات القلب ولم يشعر صاحبه.