كيف يبدأ السالك رحلته؟
ضمن سلسلة مدخل إلى السير إلى الله (4/10)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
في طريق السلوك إلى الله، يقف المؤمن حائرا: من أين أبدأ؟ وكيف أسلك إلى ربي؟ ما الزاد؟ وما الطريق؟ ومن الدليل في هذا السفر الطويل؟
الجواب أن البداية الحقيقية لا تكون بخطوة في الأرض، بل بخطوة في القلب.
فالسير إلى الله سير باطني يبدأ من الداخل قبل أن يرى في الخارج.
قال الله تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا).
إن أول ما يبدأ به السالك رحلته هو النية الصالحة، فهي التي تفتح له أبواب الطريق.
فالنية كالبذرة، لا يثمر العمل إلا بها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
فمن صحت نيته صلح سيره، ومن فسدت نيته تعثر في أول الطريق.
ثم تكون الخطوة الثانية التوبة، فهي بوابة السالكين، ومفتاح باب القرب.
لا يبدأ القلب رحلته إلا بعد أن يغتسل من أدران المعصية، وينكسر بين يدي ربه خجلا وندما.
قال الله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن ابن ماجة وغيره، والحديث حسن لغيره: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
فالتوبة بداية الطريق، والندم هو نقطة الانطلاق.
ثم تأتي المجاهدة، وهي السير الحقيقي بعد النية والتوبة.
لا وصول بلا صبر، ولا قرب بلا مجاهدة.
قال الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). فالمجاهدة هي أن تقاوم نفسك الأمارة بالسوء، وتغالب هواك، وتقوم إذا كسلت، وتثبت إذا مل الناس.
ويبدأ السالك بإصلاح قلبه قبل جوارحه، لأن القلب هو القائد، والجوارح جنوده.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فليكن أول همك أن تصحح نيتك، وتطهر قلبك من الرياء والحسد وحب الدنيا.
ومن معالم البداية أن تصحب الصالحين الذين يعينونك على الطريق، فالقلب يضعف وحده، ويقوى بالجماعة.
قال الله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). فالصاحب الصالح زاد، وصحبته نور في الطريق.
ثم اجعل لك وردا من الذكر والقرآن، فهو غذاء الروح، ودواء القلب، وزاد المسير. قال الله تعالى: (فاذكروني أذكركم)، وقال سبحانه: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت).
فمن جعل ذكر الله ديدنه، أحياه الله بنوره، وشرح صدره للسلوك.
واعلم أن الطريق لا يقطع في يوم ولا شهر، بل هو سفر العمر كله.
فيه صعود وهبوط، وجد وفتور، لكن الفائز من لم يترك السير وإن عثر.
قال الله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (سددوا وقاربوا وأبشروا).
فالمطلوب أن تسير إلى الله بصدق وثبات، لا بعجلة ولا بيأس.
ولا تنس أن السلوك ليس تركا للدنيا، بل تسخيرا لها في طاعة الله.
فالسالك لا يهرب من الناس، بل يعيش بينهم بقلب معلق بالله.
يعمل، ويطلب الرزق، ويبتسم، ويخدم، لكن لا تشغله الدنيا عن الآخرة، كما قال الله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).
ثم تذكر أن الطريق محفوف بالابتلاء، فلا تظن أن الوصول يكون بالراحة.
قال الله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط).
فالابتلاء امتحان صدقك، وميزان محبتك، وباب رفعك.
وفي كل عقبة أو تعب، تذكر قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا)، وتذكر أن الله لا يضيع السائرين إليه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل كما في الصحيحين: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
فكل خطوة منك يقابلها لطف من ربك وقرب.
وحين تجد في قلبك لذة الطاعة، وحلاوة المناجاة، وشوقا إلى الصلاة والذكر، فاعلم أنك بدأت الرحلة حقا.
فاللذة هنا ليست نهاية، بل دليل أنك على الطريق.
قال أهل البصيرة: السير إلى الله سير بين مشاهدة المنة وشكر النعمة، وبين رؤية التقصير وطلب العفو.
فكلما ازددت علما بربك، ازددت خشية، وكلما رأيت فضله، ازددت حبا.
وفي نهاية الطريق، لا يصل العبد إلا إذا شاء الله له الوصول.
فالسير كله فضل من الله، لا بحولك ولا بقوتك، ولكن برحمته.
والقاعدة في هذا الباب: من صدق مع الله صدق الله معه.
قال الله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
فابدأ رحلتك الآن، ولو بخطوة، وأكثر من الدعاء: اللهم خذ بيدي إليك، وقربني منك، واهدني سبيلك المستقيم.
ثم امضِ على بركة الله، فكل خطوة إلى الله تكتب لك نورا، وكل لحظة صدق تقربك من ربك، حتى تلقاه وهو عنك راضٍ.
قال الله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).
فهنيئا لمن بدأ، وهنيئا لمن ثبت، وهنيئا لمن وصل، وإن تأخر وصوله، فحسبه أنه سار.