الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 22

رجال الأمن: حراس النعمة

[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، الحلقة رقم 6]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


إذا كانت نعمة الأمن من أعظم نعم الله على العباد، فإن المحافظة عليها من أعظم الواجبات، ولا يتحقق ذلك إلا برجال نذروا أنفسهم لحماية الدين، ثم الوطن، ثم أمن المجتمع واستقراره.

فهم يسهرون لينام الناس، ويقفون في مواقع الخطر ليعيش غيرهم في طمأنينة، ويبذلون من أوقاتهم وراحتهم ما يحفظ الله به الأرواح والأموال والأعراض.

وإذا كانت نعمة الأمن من الله، فإن من أعظم أسباب دوامها وجود من يأخذ بالأسباب المشروعة لحفظها، امتثالا لأمر الله، وتنفيذا لواجب الشرع.

وقد أمر الله تعالى بإعداد القوة التي تردع المعتدين، فقال:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.

فإعداد القوة لا يكون للحرب فحسب، بل وايضا لحماية الأمن، وصيانة البلاد، وردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على الدين، أو النفس أو المال أو العرض.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين فضل من يحرس المسلمين، فقال كما ثبت عند الترمذي وغيره:

﴿عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله﴾.

فهذا الحديث يدل على عظم منزلة من يسهر لحراسة المسلمين، سواء كان على الثغور، أو في حماية الأمن الداخلي، أو في خدمة الحجاج والمعتمرين، أو في كل عمل يقصد به حفظ أمن الناس واستقرارهم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:

﴿رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها﴾.

ولا شك أن حماية الثغور، والدفاع عن البلاد، ومنع المعتدين، من أعظم صور الرباط المشروع إن فعل ذلك رجل الأمن بقصد الدفاع عن بلاد المسلمين.

ومن الواجب كذلك احترام رجال الأمن، والدعاء لهم، والتعاون معهم في الحق، لأنهم يقومون بمصلحة عامة تعود على المجتمع كله.

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.

فالتعاون مع الجهات الأمنية في حفظ النظام، والإبلاغ عن الجرائم، وعدم التستر على المفسدين، من التعاون على البر والتقوى، ومن الإسهام في حماية المجتمع.

كما أمر الله بطاعة ولاة الأمور في المعروف، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.

وطاعة ولاة الأمر في الأنظمة المشروعة التي تحقق الأمن وتحفظ مصالح الناس من طاعة الله ورسوله، ما دامت في المعروف، لأنها تحقق مقصدا عظيما من مقاصد الشريعة.

وقد قرر أهل العلم أن استقرار الجماعة، واجتماع الكلمة، ودفع الفوضى، من أعظم المصالح الشرعية، وأن الفتن إذا اشتعلت لم يسلم منها أحد، ولذلك كان السلف يدعون لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتوفيق، لما في صلاحهم من صلاح الرعية.

ومن أعظم صور الوفاء لرجال الأمن ألا يحملوا وحدهم مسؤولية الأمن، فكل فرد في المجتمع رجل أمن في موقعه؛ فالأب في بيته، والمعلم في مدرسته، والإمام في مسجده، والإعلامي في كلمته، والتاجر في أمانته، والشاب في سلوكه، كل أولئك يسهمون في حفظ الأمن أو الإخلال به.

وإذا انتشرت الشائعات، أو استبيحت أعراض الناس، أو استخدمت وسائل التواصل لنشر الكراهية والتحريض، فإن ذلك يفتح أبواب الفتنة، ويقوض الثقة، ويضعف الأمن، ولو لم ترفع فيه سلاح.

والحاصل: أن رجال الأمن ليسوا حراسا للمباني والطرق فحسب، بل هم -بعد توفيق الله- حراس لنعمة عظيمة، هي نعمة الأمن التي تقوم عليها حياة الناس.

ومن الوفاء لهم أن يتعاون معهم على البر، وأن يدعى لهم بالتوفيق، وأن يجتنب كل ما يخل بأمن المجتمع ووحدته، حتى تبقى الأوطان آمنة مطمئنة، ويعيش الناس في ظل السكينة والاستقرار.

نسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من كل سوء، وأن يبارك في جهود من يحرسون أمنها، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، إنه نعم المولى ونعم النصير.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام