الثلاثاء 29 محرم 1448 هـ || الموافق 14 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    أولئك لهم الأمن وهم مهتدون    ||    عدد المشاهدات: 6

المملكة العربية السعودية: نعمة الأمن ومسؤولية المحافظة عليها

[ضمن سلسلة (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)، الحلقة رقم (7)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الحمد لله رب العالمين، جعل الأمن من أجل نعمه على عباده، وأمر بشكره والمحافظة عليه، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسى دعائم الأمن بالإيمان والعدل، وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

فإن المتأمل في أحوال العالم اليوم يدرك أن الأمن ليس أمرًا يشترى بالأموال، ولا يتحقق بالأماني، وإنما هو نعمة يمنحها الله لمن أخذ بأسبابها الشرعية والمادية. وإذا كانت بلاد كثيرة تعاني من الحروب والاضطرابات، فإن من أعظم النعم التي امتن الله بها على المملكة العربية السعودية ما تنعم به من أمن واستقرار، في الأنفس والأموال، وفي الحرمين الشريفين، وفي طرقها ومدنها وقراها.

وهذه النعمة تستوجب قبل كل شيء شكر الله عز وجل؛ فهو القائل:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

فالأمن فضل من الله، ثم هو ثمرة للأخذ بالأسباب التي أمر بها، من إقامة العدل، وتحكيم الشرع، والمحافظة على وحدة الصف، والتصدي لكل ما يهدد استقرار المجتمع.

وقد جعل الله الأمن من خصائص البلد الحرام، فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.

وقال تعالى:
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾.

فكانت مكة المكرمة عبر التاريخ رمزًا للأمن، ثم شرف الله المملكة بخدمة الحرمين الشريفين، والعناية بقاصديهما، حتى صار ملايين المسلمين يؤدون الحج والعمرة في تنظيم دقيق وأمن ظاهر، بعد فضل الله سبحانه.

ومن ينظر إلى مواسم الحج يرى صورة فريدة لا يكاد يوجد لها نظير؛ ملايين البشر، من عشرات الجنسيات واللغات، يجتمعون في مكان واحد، ثم يؤدون مناسكهم في يسر وطمأنينة، وهذا من نعم الله العظيمة، ثم من الجهود الكبيرة التي تبذلها القيادة، ورجال الأمن، والقوات العسكرية، والجهات الصحية، والخدمية، والمتطوعون، حتى يعود الحجاج إلى أوطانهم وهم يذكرون ما رأوه من حسن التنظيم والأمن.

ولا يقتصر الأمن على حماية الحرمين، بل يشمل أمن المواطن في بيته، والمقيم في عمله، والمسافر في طريقه، والتاجر في متجره، والطالب في جامعته، والمريض في مستشفاه، فهذه صور من الأمن قد يألفها الناس حتى ينسوا أنها من أعظم النعم.

ولقد أثبتت التجارب أن الأمن هو أساس التنمية؛ فحيثما وجد الأمن قامت المشاريع، وازدهرت التجارة، وتقدمت الصناعة، واطمأن المستثمر، ونشطت السياحة، وأقبل الناس على البناء والعمل والإنتاج.

ولهذا فإن المحافظة على الأمن ليست مصلحة أمنية فحسب، بل هي مصلحة دينية، واقتصادية، واجتماعية، وحضارية.

ومن الإنصاف أن يذكر أن رجال الأمن في المملكة يبذلون جهودًا عظيمة في مكافحة الإرهاب، ومحاربة تهريب المخدرات، وحماية الحدود، وتأمين المناسبات، وخدمة ضيوف الرحمن. وكثير من هذه الجهود لا يشعر بها الناس؛ لأن نجاح العمل الأمني يظهر غالبًا في منع الخطر قبل وقوعه، لا بعد وقوعه.

ومع ذلك، فإن الأمن لا تصنعه الأجهزة الأمنية وحدها، بل يصنعه المجتمع كله؛ فكل مواطن ومقيم وزائر شريك في المحافظة عليه، بطاعة الله، واحترام التعليمات، والصدق في التعامل، وعدم نشر الشائعات، والتعاون مع الجهات المختصة، وتربية الأبناء على حب دولة الحرمين، واحترام الحقوق، ونبذ الغلو والتطرف.

كما أن من شكر نعمة الأمن الدعاء لولاة الأمر بالتوفيق والسداد، ولرجال الأمن بالحفظ والإعانة، فإنهم يحملون مسؤولية عظيمة، ويقومون بأعمال شاقة، غايتها حماية المجتمع وصيانة مصالحه.

إن الأمن إذا دام فهو نعمة، وإذا شكر زاد، وإذا حفظ بقي، قال تعالى:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

والحاصل: أن ما تنعم به المملكة العربية السعودية من أمن واستقرار هو من أجل نعم الله، وهو مسؤولية مشتركة بين القيادة، ورجال الأمن، وأفراد المجتمع جميعًا. ومن حق هذه النعمة علينا أن نشكر الله عليها، وأن نحافظ عليها، وأن نكون عونًا على كل ما يزيدها قوة ورسوخًا، حتى تبقى هذه البلاد المباركة واحة أمن وإيمان، وملاذًا للمسلمين، ومهوى أفئدة المؤمنين من كل أنحاء العالم.

نسأل الله تعالى أن يديم على دولة الحرمين أمنها وإيمانها، وأن يوفق حكامها وجميع رجال الأمن والقوات العسكرية لكل خير، وأن يحفظ بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام