الإثنين 5 صفر 1448 هـ || الموافق 20 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 17

البقرة التي شددوا فيها على أنفسهم وعاقبة التكلف في دين الله

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (22)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ ۖ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ۝٦٨ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ۝٦٩ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ۚ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ۝٧٠ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ۝٧١﴾.

بعد أن أمرهم الله بذبح بقرة، كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى الامتثال، فالأمر كان مطلقًا، وأي بقرة كانت تكفيهم. لكنهم قابلوا أمر الله بكثرة السؤال، لا رغبة في زيادة العلم، وإنما هروبًا من سرعة التنفيذ، فكان الجزاء أن ضُيِّق عليهم بقدر ما شددوا على أنفسهم، وفي ذلك قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة: أن التكلف والتنطع سبب للمشقة والحرمان.

افتتحت الآيات بقولهم:
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.

لم يقولوا: سمعنا وأطعنا، بل بدأوا يسألون عن وصفها، مع أن الله لم يسألهم عن ذلك، فجاءهم الجواب:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ ۖ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾.

أي ليست كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم تبلغ، بل متوسطة السن. ثم ختم الجواب بقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾، وكأن فيه تنبيهًا إلى أن باب السؤال قد أغلق، وأن الواجب هو المبادرة إلى التنفيذ، لا الاستمرار في الجدل.

لكنهم لم يمتثلوا، بل عادوا يسألون مرة أخرى:
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾.

فزادهم الله وصفًا آخر، فقال:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.

وهذا من جمال خلق الله؛ فقد وصفها بلون يبعث البهجة في النفوس، ومع ذلك لم يحملهم وضوح البيان على سرعة الامتثال.

ثم عادوا للمرة الثالثة فقالوا:
﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.

ولو أنهم امتثلوا أول الأمر لما وقعوا في هذا التضييق، ولكن لما أكثروا من الأسئلة شدد الله عليهم حتى أصبحت البقرة المطلوبة نادرة الوجود.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر وهو في الصحيحين:
(ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).

ثم جاء البيان الأخير:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.

أي ليست مذللة للعمل في الحرث أو السقي، وهي سليمة من العيوب، وليس في لونها بقعة تخالف سائر جسدها.

عندها فقط قالوا:
﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.

وهذه الكلمة تكشف ما كان في قلوبهم من قلة التسليم؛ فكأنهم لم يروا ما سبق حقًا واضحًا، مع أن جميع ما أخبرهم به موسى عليه السلام وحي من الله.

ثم قال تعالى:
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.

أي أنهم ذبحوها بعد طول مراجعة وتردد ومشقة، حتى كادوا ألا يفعلوا، فصار تنفيذ الأمر الذي كان يسيرًا في بدايته بالغ الصعوبة بسبب تكلفهم.

وهكذا يعلمنا القرآن أن المؤمن إذا جاءه أمر الله ورسوله استجاب من أول مرة، فإن الخير في المبادرة، أما كثرة التعنت والبحث عن المخارج والتكلف فيما لم يكلف الله به، فإنها تورث المشقة، وتحرم العبد لذة التسليم.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(هلك المتنطعون)، قالها ثلاثًا.

والمتنطعون هم المتعمقون المتكلفون الذين يجاوزون حدود الاعتدال في أقوالهم وأفعالهم.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: بادر إلى امتثال أمر الله، فإن التأخير قد يجلب المشقة.
الثانية: كثرة الأسئلة على سبيل التعنت ليست من هدي المؤمنين.
الثالثة: من شدد على نفسه بغير دليل شدد عليه.
الرابعة: دين الله مبني على اليسر، لا على التكلف والتنطع.
الخامسة: كلما ازداد العبد تسليمًا لله ورسوله كان أقرب إلى الهداية.
السادسة: لا تجعل العقل حاكمًا على النص، بل اجعل النص قائدًا للعقل.
السابعة: البركة في سرعة الطاعة، لا في كثرة الجدل.

لقد رسمت هذه الآيات منهجًا ربانيًا خالدًا، وهو أن العبودية الحقة تقوم على حسن الاستجابة، وسرعة الامتثال، وترك التكلف، وأن من فتح على نفسه باب الجدل والتعنت ضاقت عليه السبل، بينما من قال: سمعنا وأطعنا، وجد في طاعة الله اليسر والطمأنينة والبركة.

معاني مفردات الآيات

فارض: كبيرة السن الهرمة.
بكر: صغيرة السن التي لم تلد.
عوان: متوسطة السن بين الكبيرة والصغيرة.
فاقع: شديد الصفرة صافٍ مشرق.
تسر الناظرين: تعجبهم وتبهج من ينظر إليها.
ذلول: مذللة للعمل.
تثير الأرض: تحرثها وتقلب ترابها.
تسقي الحرث: تستعمل في سقي الزروع.
مسلمة: سليمة من العيوب.
لا شية فيها: لا علامة ولا لون يخالف سائر لونها.
وما كادوا يفعلون: أي كادوا لا يذبحونها؛ لكثرة تعنتهم أو لصعوبة وجودها بهذه الأوصاف.
وقيل: كادوا لا يذبحونها لغلاء ثمنها، أو خوفًا من انكشاف القاتل.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام